لقوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ *
- إلى قوله : -
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
[ 56 / 7 - 11 ] ولقوله :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[ 35 / 32 ] فكذلك الموجودون منهم في الدنيا على ثلاثة أقسام ، كل قسم منها مرآة ومثال لما يؤول اليه عاقبة أمره ، وأحواله وأحكامه الحاضرة مثال لأحواله وأحكامه الغائبة .
فالمتوطنون فيها ، المكبّون على شهواتها أمثلة أصحاب الشمال الواقفون على النار من الأشرار والأشقياء المردودين الجهّال الضلال المقيدين بالسلاسل والاغلال ، وانكبابهم على شهواتها مثال احتراق أهل النار لحرقاتها .
والمتعبدون الزاهدون من أهل السعادة والصلاح هم مثل أصحاب اليمين وأهل النجاة .
وأما العلماء الراسخون السالكون إلى اللّه ، والأحرار المرتفعون عن الخسائس الدنيّة ، المعرضين عن لذّاتها الحيوانيّة ، فهم المقربون إلى اللّه تعالى ، المارون على الصراط كالبرق الخاطف من غير أن يصل إليهم أثر حرها وضرها ، كما
قال واحد من أهل بيت النبي - عليه وعليهم الصلاة والسلام - لما سئل عن قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ 19 / 71 ] : « جزناها وهي خامدة »
وقوله تعالى عقيب ذلك :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
إشارة إلى أهل النجاة والسعادة ، وقوله :
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
إشارة إلى أهل النكال والشقاوة .
ومن نظر إلى حال كل فرقة بعين الاستبصار والاعتبار ، ورجع إلى عالم الانصاف من الجور والاعتساف ، انكشف عليه أن التضاد متحقق بين أهل التوحيد وأصحاب الشمال ، حيث إن أحواله وأفعاله على ضد أحوال هؤلاء
و