فان قلت : فما الحكمة في إيجاد مثل الشيطان ، وتسلطه على أفراد الإنسان حتى أغوى كثيرا منهم وأهلكهم وأوقعهم في سخط اللّه وغضبه ؟
قلنا : الحكمة فيها كثيرة لا يحيط بها الا اللّه ، من جملتها انه كما ينتفع الإنسان من الهام الملك ، قد ينتفع من وسوسة الشيطان ، فان اتباع الشيطان وأهل الضلال كلهم تبعة الوهم والخيال ، ولو لم يكن أوهام المعطلين وخيالات المتفلسفين والدهريين ، وسائر أولياء الطاغوت ومراتب جربزتهم وفنون اعوجاجاتهم وضلالاتهم وانحرافاتهم وخيالاتهم ، لما انبعثوا أولياء اللّه في طلب البراهين ، لبيان علة حدوث العالم على نهج الكشف واليقين .
وهكذا في الاعمال لو لم يكن اغتياب المغتابين وتجسّس المتجسّسين بعيوب الناس لم يجتنب الإنسان كل الاجتناب من العيوب الخفية ، التي قد لا يراها الأصدقاء ، وانما يظهر لهم تحققها من تدقيقات الأعداء ، وفحصهم والتماسهم ظهورها عليه وعلى غيره .
فكم من عدو انتفع العبد من عداوته أكثر مما ينتفع من محبة الصديق فان المحبة مما تورث الغفلة عن عيوب المحبوب ، والعمى عن رؤية نقائصه ، والصمم عن سماع مثالبه .
ومن هاهنا يظهر أن لوجود الأفاعيل الشيطانية - كإظهار العداوة والبغضاء والحسد والغدر من الأعداء - فوائد كثيرة عائدة إلى المؤمنين ، ومن فوائد عداوة الأعداء وكيد الخصماء وضرر الأشقياء للعبد في هذه الدنيا ، سرعة رجوعه وعوده إلى اللّه فرارا من أعداء الله ، امتثالا لقوله :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ 51 / 50 ] .
خلق را با تو 31 چنين بد خو كند * تا ترا ناچار رو زانسو كند « 1 »
وقوله : « أفلم تكونوا تعقلون » كأنه خطاب مع العلماء ، الذين كان في
هامش
( 1 ) - من المثنوى المعنوي .