ورابعها : من جهة الغايات وباعتبار الدرجات ، فان التوجه إلى الملائكة العقلانيّة والمهيّمة والمدبرات الكلية الملكوتيّة يوجب الحشر إليهم والانخراط معهم واستفاضة المعارف منهم ، وكانت العلوم المستفاضة منهم من قبيل التعقلات والإلهامات الكلية ، ويقابله التوجه إلى الأبالسة المحجوبة عن اللّه ، المطرودة عن جناب القدس ، المحبوسة في الظلمات ، واكتساب الحيل والخديعة والمكر ، وكانت المستفادة منها من قبيل الأفكار الجزئية المتعلّقة بالأمور السفلية .
فالإنسان على الوجه الأول شابه الملائكة وجنود الرحمان ، وعلى الثاني شابه الشياطين ومردة الجن ، المحبوسة في طبقات الجحيم ، المحرومة في الدنيا عن الارتقاء إلى ملكوت السماء ، المحجوبة في الآخرة عن الجنة والنعيم .
وقد انكشف من هذا أن طبقة من الجن وحزبا من مردة الشياطين حيث سقطت درجتهم عن درجة الملكوت مما لا اقتدار لهم على فعل الضرر على أولياء اللّه ، لأنهم صم بكم عمي ، مقيدون في السلاسل والاغلال في الجحيم ، معذبون بالعذاب والنكال الأليم .
فقد ثبت أن أصل الضلال والعمى والجهل من الشيطان وان أصل الهدى والبصيرة واليقين من الملك ، واللّه الهادي والمضل فوق الكل ، وان اسم إبليس كاسم « شجرة خبيثة » والشياطين بمنزلة أغصان تلك الشجرة الملعونة وثمارها تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، فأنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ، واسم الملك كاسم « شجرة طيبة » أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها ، وثمارها الحاصلة منها هي العلوم الكلية الإلهية والمعارف الحكمية الربانية .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 232
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٣٢