تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
متفاسدة متعاندة : كالوجوب والإمكان ، والخير والشر ، والنور والظلمة ، والعلم والجهل ، والسعادة والشقاوة ، والتوفيق والخذلان ، والملك والشيطان ، والرحمة والغضب ، والجنّة والنيران ، والدنيا والآخرة - إلى غير ذلك من الأمور المتقابلة المنسوبة في سلسلة المعلولية والحاجة إلى اللّه - . أما أحد الطرفين - وهو الأشرف ، فأولا وبالذات وبالأصالة ، وأما الطرف الآخر فثانيا وبالعرض وعلى سبيل التبعيّة والاستجرار اللازمة لقصور القوابل الامكانية عن قبول الفيض والرحمة من الحق الصرف والنور المحض على التمام من غير نقص وآفة ، لقوله : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » فالخيرات كلها برضاه ، والشرور كلها بقضاه ، وبهذا يدفع شبهة الثنوية القائلة بوجود مبدأين قادرين بالذات . فالملائكة كلهم مخلوقون من نور رحمة اللّه ، والشياطين صادرة من نار غضبه . والإنسان في أول الفطرة حاصل من اللّه تعالى بحسب أسمائه المتقابلة ممتزج من جهتي نور وظلمة ، مخمّر طينته بيديه أربعين صباحا ، مركب من روح وبدن ، وسر وعلن : أما روحه : فجوهر لطيف نوري علوي سماوي ، حاصلة من نفخته تعالى . وأما بدنه : فجوهر كدر ظلماني أرضي سفلي ، حاصل من تركيب الأجساد وامتزاج الاضداد . وقلبه - أي نفسه الناطقة - واقع بين الطرفين ، متوسط بين النشأتين ، له وجه إلى البدن وقواه الجسمانية ، ووجه إلى الروح وقواه الروحانية ، وله قوتان علميتان إحداهما كالملك بحسب أصل الفطرة - وهي « القوة العاقلة » وأخراهما كالشيطان بحسب الفطرة - وهي « القوة الوهمية » . وله أيضا قوتان آخريان عمليتان إحداهما كالبهيمة وكالمرأة الفاسقة اسمها
هامش
( 1 ) - البخاري ، كتاب التوحيد : 9 / 165 .