أخرى » ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور .
ثم لما كان الامتياز بين النفوس الآدمية في الدار الآخرة وترتّب الجزاء على الاعمال والثواب للمطيع المسلم والعقاب للمسيء المجرم منشأه لأحدهما طاعة اللّه وللاخر طاعة الشيطان ، وهي مشتركة بين تلك الأقسام الثلاثة الشقية من النفوس البهيمية والسبعية والشيطانية - وان كانت أسوئها عاقبة هي النفوس الشيطانية الكافرة بنعمة الايمان ، التابعة في أوهامها وتفكراتها للشيطان ، لما مر من أن عذابها أبدي وهي غير قابلة للرحمة ولا ينفع فيها الشفاعة - خصهم اللّه تعالى بالذكر عقيب هذه الآية توبيخا لهم ونعيا عليهم فيما هم فيه من الحسرة والندامة من جهة الهلاك المؤبّد والشقاء المخلد بقوله سبحانه :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 )
و « العهد » في اللغة بمعنى « الوصية » و « عهد اليه » : إذا وصاه ، وقرى « اعهد » - بكسر الهمزة وفتح الهاء - وقد جاء عند أهل اللغة والاشتقاق كسر حرف المضارعة غير الياء في باب « فعل » كله ، و « أعهد » بفتح الهمزة وكسر الهاء ونقل عن الزجاج تجويز كون هذا الفعل من باب « نعم ينعم » و « ضرب يضرب » و « احهد » بابدال العين حاء ، و « أحدّ » بابدال الهاء أيضا حاء ، ومنه قولهم : دحّا محا .
وعهد اللّه إلى بني آدم ما فطرهم اللّه على فطرة الاستعداد لايداع علم التوحيد في ذواتهم المشار اليه بقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ 7 / 172 ] ولاقتناء الخيرات واكتساب السعادات الأخروية .
وميثاق ذلك العهد ما ركز في نفوسهم من أوائل المعقولات وأدلة العقليات