والصبر والورع عن محارم اللّه ، والاعراض عن الدنيا ، والتجافي عن دار الغرور وتذكر الموت والآخرة ، حتى تصير من جنس الملائكة المقربين لكل نفس بحسب قوة إيمانه وشدة اجتنابه عن اللذات .
فإذا تقرر هذا ظهر أن كل نفس من النفوس الانسانية واقعة يوم القيامة تحت نوع من أنواع تلك الأجناس الأربعة : « السبعية ، والبهيمية ، والشيطانية ، والملكية » وتحشر معه ، فالنفوس البشرية منحصرة يوم الآخرة في أجناس أربعة لكل جنس أنواع كثيرة ، لكل نوع منها أفراد غير محصورة .
وهذه الأجناس الأربعة من النفوس اثنتان منها عمليّتان شريرتان حاصلتان من تكرر الاعمال السيّئة ، واثنتان منها علميتان حاصلتان من تكرر الأفكار العلمية إحداهما شريرة والأخرى خيّرة .
وانما لم تحصل من تكرر الأعمال الصالحة صورة ، لأنها اما تروك محضة أو مؤدية إلى تروك وأعدام ، بل يؤدي أكثرها إلى كسر القوى ورفض الدواعي والغاية الأصلية فيها تصفية الباطن وخلوه عن الحجب الدنياوية وعن الغشاوات النفسانية ، فلا يوجب مزاولتها صورة كمالية في النفس بخلاف الأعمال القبيحة والمعاصي ، فإنها من باب اللذات الوجودية أو الهيئات الكمالية بوجه ما ، فيؤدي إلى صورة في النفس - اما بهيمية أو سبعية - .
وأما اكتساب العلوم فمزاولة الأفكار لا محالة يؤدي تكررها إلى صيرورة النفس أمرا بالفعل ، فان كانت الأفكار والتأملات مستقيمة موزونة مطابقة للقوانين الدينيّة والحكمية ، موافقة لأصول الموجودات الدائمة الحقيقية - كالباري جل مجده وصفاته ، وملكوته ، وجبروته ، وكلامه ، وكتبه ، ورسله واليوم الآخر ، واستواء الرحمان على العرش ، وصراطه ، وميزانه ، وحسابه ، وجمعه للخلائق في عرصة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 213
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١٣