ولا كنسبة شطر لاحق إلى سابقه - كالجمعة مثلا إلى الخميس وما قبلها - فان الدار الآخرة ليست منسلكة مع هذه الدار في سلك واحد وكذا ليست حيّز الآخرة إلى الاحياز الدنيا كنسبة فوق هذا العالم إلى ما هو دونه ، لان كلا منهما عالم آخر ، والآخرة عالم تام برأسه لا يعوزه شيء من أشياء هذا العالم ، ولا يتصل بغيره ، ولا هو واقع في جهة من جهات هذا العالم بحسب الزمان والمكان بل نسبة متاها إلى متى هذه الدنيا أشبه بنسبة محيط الدائرة إلى مركزها من نسبة بعض الخط إلى بعض آخر أو حدّ منه إلى غيره وكذلك الحال في قياس أينها إلى ايون هذا العالم .
لان القيامة لو كانت واقعة في آخر شطر من أجزاء هذا الزمان الدنياوي أو في أبعد شطر من أبعاض هذا المكان الحسي - كما زعمه أهل الظن والتخمين - لكان بعيدا غاية البعد من النفوس الانسانية وهو باطل ، لان اللّه تعالى وصفها بالقرب منا بحسب الزمان والمكان جميعا .
اما الأول : فلقوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
[ 54 / 1 ] واما الثاني فلقوله تعالى :
وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
[ 34 / 51 ]
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً
[ 70 / 7 ] فكان نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلم يشاهد خازن الجنة ويتناول بيده من ثمارها وفواكهها ، وكذلك علماء امّته وهم المؤمنون حقا بأحوال الآخرة كانوا مشاهدين للقيامة ، وهي كانت قائمة في حقهم ، لأنهم كانوا محشورين في دنياهم إلى الحق ، راجعين إلى اللّه .
ولم يحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بكون حارثة « مؤمنا حقيقيا » ما لم يكن مشاهدا يوم الآخرة ، ناظرا إلى أحوالها ، حيث
قال : « أصبحت مؤمنا حقا » قال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » قال : « رأيت أهل الجنة يتزاورون ، ورأيت أهل النار يتعاوون ورأيت عرش ربي