تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
بحكمته وسخرها لك بعنايته وأجراها برياح عنايته ، فإنها لا يتهيأ لها السير الا بهبوب الرياح المحركة إياها إلى الجهات ، فإذا سكنت الريح وقفت السفينة عن ذلك الجري ، ولا ينقص شيء من آلاتها الاذهاب الرياح ، كذلك جسد الإنسان إذا فارقته النفس وانقطعت عنه الإفاضة لا يتهيأ له تلك الحركة ولم يعدم من اللّه ولا ذهب من أعضائه شيء الاذهاب الريح وانقطاع الفيض عنه فقط . ومعلوم بالبرهان أن الريح ليس من جوهر السفينة ولا السفينة حاملة لها ، بل هي محركة لها ، ولا يقدر السفينة ومن عليها على استرجاع الريح بعد ذهابها بحيلة يعملونها أو صنعة يصنعونها ، كذلك الروح الذي من أمر ربه ليس من جوهر الجسم ولا الجسم حامل للروح ، ولا يقدر أحد من العالم على استرجاع النفس إذا فارقت . فإذا تحقق ذلك وثبت أن جسمك كسفينة معدة لهبوب الرياح بها وورودها عليها علم أن هلاك السفينة إذا هلكت من أحد الحالين : اما بفساد جرمها وانحلال تركيبها فيدخلها الماء ، ويكون ذلك سببا لغرقها وهلاك من فيها ان غفلوا عنها ولم يتداركوا بالإصلاح لها والتفقد لحالها كهلاك البدن من غلبة أحد العناصر ودخول الرطوبة المعفنة في البدن من بحر الهيولى من تهاون صاحبه به وغفلته عنه ، فلا تبقى الروح معه إذا فسد مزاجه وتعطل نظامه وتعوجت نسبته وضعفت آلته ، كما لا تبقى الريح للسفينة ، والريح موجودة في هبوبها غير معدومة ، كما أن الروح باقية ببقاء علتها في انعقاد معادها . وأما القسم الثاني فهو أن يكون هلاك السفينة بقوة الريح العاصفة الهابّة الواردة منها على السفينة ما ليس في وسع آلتها حمله ولا القدرة عليه ، فيضعف الآلة ويكسر السفينة ، فإن كان من فيها عارفين بعلم السباحة اطمأنت نفوسهم ورضوا بقضاء اللّه فيهم ووعظ بعضهم بعضا ، فنجوا عند ذلك من الهلاك في