في حق من عرفها وعرف درجات العبد إلى اللّه سبحانه إذ يعرف بنور البصيرة انها منزل من منازل السائرين إلى اللّه وهي كجزيرة في البحر أعد فيها العلف والزاد وأسباب السفر إلى المقصود ، فمن تزود منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة فقد ربحت تجارته وفاز بنعيم الآخرة ومن عرج عليها واشتغل بلّذاتها هلك وخسر خسرانا مبينا .
ومثال ذلك الخلق فيها كمثل قوم ركبوا في سفينة فانتهت السفينة بهم إلى جزيرة ، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحوائج ، وخوّفهم المقام واستعجال السفينة 13 ، فتفرقوا فيها ، فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكانا خاليا واسعا .
ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وطرائف أحجارها وأصنافها وعجائب غياضها ونغمات طيورها ، فرجع إلى السفينة فلم يجد الا مكانا ضيقا .
وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ، فلم يسمح نفسه الا بأن يستصحب شيئا منها ، فلم يجد في السفينة الا مكانا ضيقا وزادته الأحجار ثقلا على ثقل وضيقا على ضيق ، فلم يقدر على رميها ولم يجدلها مكانا فحملها على عنقه وهو ينوء تحت أعبائه .
ويولج بعضهم الغياض ونسي المركب واشتغل بالتفرّج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار ، وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع والحذر من السقطات والظلمات ، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها فبقي على الساحل فافترسه السباع ومزقته الهوام .
فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا ، وأصنافهم بالنسبة إلى العقبى فتأملها واستخرج وجه الموازنة ان كنت ذا بصيرة والمطابقة مع ( بين - ن )
تفسير القرآن الكريم — صفحة 131
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٣١