العلم بها ، لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم .
وفيه ما لا يخفى من التعسّف ، إذ سوق الآية تدل على كون ما لا يعلمون خلقا عظيما وصنعا بديعا أشرف ممّا وجد في البشر في هذا العالم الأدنى ، ونفى العلم به ، والجهل بحقيقته انّما هو بالنسبة إلى جمهور الناس وعامتهم لا الخلّص الكاملين من عباده ، وكثيرا ما يستعمل نفى العلم لأجل التعظيم بشيء والترغيب عليه والمناقشة فيه ، كما في قوله تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ 32 / 17 ] .
و
في الحديث القدسي : « 1 » « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » .
ويحتمل أن يكون كلمة « من » في المواضع الثلاثة بيانية ، فتكون إشارة إلى أعيان أجناس المخلوقات الثلاثة بذواتها ، لا إلى موادها وقوابلها وموضوعاتها ، اعلاما بكثرة ما خلق وأنواعها وأصنافها وأعدادها ، الخارجة عن ما يحصره علم البشر وعن ضبطه وإحصائه ، دلالة على عظم قدرة باريها واتساع مملكة خالقها ومنشئها جل ذكره ، وما ذكرنا أولى ، لكون الحكمة فيه أكثر ، والفائدة فيه أشمل ومعرفة الشيء بأسبابه وأصوله أوثق .
قوله سبحانه : [ سورة يس ( 36 ) : آية 37 ]
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 )
سلخ الشيء : إخراجه من لباسه ، ومنه إخراج الحيوان من جلده ، يقال :
« سلخ جلد الشاة » إذا كشطه عنها وأزاله ، ومنه : « سلخ الحيّة لخرشائها » أي :
جلدها ، ومنه قوله تعالى :
فَانْسَلَخَ مِنْها
[ 7 / 175 ] اي : فخرج منها خروج
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الزهد ، باب صفة الجنة ، 2 / 1447 .