الصور التي في أنواع الأجسام ما لم تتخط ( لم تنحط - لم تحفظ - ن ) النوع الأخسّ بشرائط ولوازمه لم تدخل في النوع الأشرف ، فما لم تستوف درجات الجماد والنبات والحيوان لم تنته نوبة الوجود إلى نوع الإنسان بحسب أول درجته .
فالنفس الإنسانية هي كمال هذا العالم وزينته وتمامه وغايته ، ولها وجهان يكون لها باعتبارها قوّتان : أحدهما وجهه إلى هذا العالم ، به تدبّر البدن وتحرّكه وتباشر الأفاعيل الحيوانية المختصّة بهذه الدنيا ، يقال لها « القوّة العملية » « العقل العملي » وثانيهما وجهه إلى العالم الأعلى ، به تنفعل عن المبادي وتعقّل العلوم والمعارف وتترقّى إلى الكمالات الاخرويّة من المحبّة الإلهية والاشتياق إلى لقاء اللّه وابتغاء مرضاته .
فهي بحسب القوة العملية أمر بالفعل وصورة في البدن العنصري وغاية لانقلابات العنصريات والاستحالات الطبيعية ، فكانت أولا قوة هيولانية ، ثمّ ترابا ، ثمّ ماء مهينا ، ثمّ علقة ، ثمّ مضغة ، ثمّ بدنا ذا عظام ولحوم وأمشاج ، ثمّ حيوانا سميعا بصيرا ، إلى أن تبلغ جوهرا من شأنه قبول معرفة ( القبول لمعرفة - ن ) اللّه تعالى وطاعته ، إما شاكرا أو كفورا ، كما قال تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
الآية [ 76 / 1 ] .
وبحسب القوة العلمية النظرية أمر بالقوة ومادة ساذجة صرفة عن الصورة ولوح غير منقوش ، ومرآة مجلّوة ليس فيها شيء من الصور والكمالات التي لا نشاهد بهذه الحواس ، ولا يرى بهذا العين من العلوم والأخلاق ، سواء كانت علوما حقّة وأخلاقا حسنة ، أو كانت ملكات باطلة زائلة ( رذيلة - ن ) فإن قلت : كيف يتصوّر وجود مادة لا صورة لها وقوّة محضة لا فعليّة ولا قوام لها ؟ إذ كل موجود له صورة مقومة ؟ وثبت أيضا في التعاليم « أن تجرّد