شهوته انبعث على الفور في خدمته بإحضار شهوته ؛ أو رآها ماثلا بين يدي كلب عقور ، عابدا له ، مطيعا لما يقتضيه ويلتمسه ، مدقّقا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته ، وهو بذلك ساع في خدمة شيطانه ، فإنه الذي يهيّج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه ، فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما .
فليراقب كل عبد حركاته وسكناته ونطقه وقيامه وقعوده ، ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء ، وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا ، والربّ مربوبا والسيد عبدا ؛ إذ العقل هو المستحقّ للسيادة والقهر والاستيلاء على هذه الأشياء ، وقد سخّره لخدمة هؤلاء ، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طبعا ( طابعا - ن ) ورينا مهلكا للقلب ومميتا له [ . . . ] ولا يزال يتراكم عليه الصفات السبعية والبهيميّة والشيطانيّة مرّة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبا عن اللّه ، وهو الطبع والرين المذكور في قوله تعالى :
بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 83 / 14 ] وقوله :
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
[ 7 / 100 ] » - انتهى .
ويظهر من هذا الكلام - الصحيح المقدّمات - أن الإنسان إذا غلب على ذاته الصفات السبعيّة والبهيميّة والشيطانيّة - بعضها أو كلّها - ويصير بحيث لم يبق فيها آثار الملكيّة ( الملائكة - ن ) من العلم الإلهى والزهد عن الدنيا والورع عن محارم اللّه أو يوجد فيه بعض آثارها ولكن يكون مقهورة مغلوبة لغاية العلّة والضعف مع عدم المعرفة - كبعض الأفعال الحسنة الصادرة عن بعض الأشقياء اتفاقا أو رياء ، لا من جهة ملكة الايمان والعرفان - فهذا الشخص الإنساني لا محالة لا يكون بحسب الحقيقة في القيامة إلا بهيمة أو سبعا أو حيوانا مركّبا منهما أو شيطانا محضا ، إذ الآثار وجوه ( عنوان - ن ) المؤثرات ، والأفعال عنوانات