وفي هذه الآية أيضا دلالة على أن نفوس الفجّار انقلبت إلى الحيوانات في تلك الدار ، إذ لو بقيت معهم الروح الإنسانية التي هي محل معرفة اللّه لم يتطرق إليهم الفساد والاضمحلال مرّة بعد مرّة ، لنهوض القواطع على أن محل المعرفة جوهر قائم بذاته ، ووجوده العقلاني ( العقل - ن ) يكون بالفعل أبدا مخلدا من غير تغيّر وزوال وتجدّد وانتقال - فافهم .
وأما المنهج الحكمي البرهاني الكاشف عن الرموز النبويّة والحقائق القرآنية ومسلك العقل الفرقاني الشارح لأسرار العقل القراني :
فاعلم ( يعلم - ن ) أن للنوع البشري في أول نشأته يكون جوهرا نفسانيا سماه الحكماء ب « العقل الهيولاني » وهو الجوهر الذي به تمام الماهية الإنسانية بحسب أول درجاتها في الإنسانية - وهو أول منزل من منازل سفره إلى الحق - وهذا الجوهر من شأنه أن يقبل كلّ صورة وحال وحلية وكمال ، فإن عسر عليه شيء فإما لأن ذلك الشيء في نفسه ضعيف الوجود شبيه بالعدم - كالخلاء واللا نهاية والهيولى والزمان والحركة - وإما لأنه شديد الوجود وقوي الظهور فيغلب عليه ويقهره .
وهذا الجوهر صورة تمامية لمواد هذا العالم ، بمعنى أن الطبيعة بقوتها القابلة الجسمانية وصلت إلى هذه الصورة الإنسانية بعد طيّ مراتب الصور الطبيعية ، التي كانت دونها في هذا العالم من صور العناصر والمعادن والنباتات والحيوانات .
وقد ثبت في العلوم البرهانية أن الطبيعة في المركّبات وفي سلسلة العائدات التي هي من الهيولى التي ( المادة - ن ) للعنصريات إلى أشرف ما يتصور من