تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الفواعل . وقد ثبت في العلوم الحقيقية أن القوى تعرف بأفاعيلها ، أو لا ترى أن المنطقيّين جعلوا لوازم الفصول والأجناس بمنزلة الفصول والأجناس في حدود الأشياء وجعلوا « الحسّاس » فصل « الحيوان » و « الناطق » فصل « الإنسان » في تحديدهما مع أن حقيقة الفصل في الحيوانات ليس إلا جوهر نفسه - كما صرّح به صاحب الشفاء - . فإذا صار الإنسان بحيث استحكمت في نفسه صفات البهائم والسباع ، وصارت هذه الذمائم خلقا وملكة لها ، وبطل الاستعداد الذي كان أولا في نفسه لتحصيل الكمالات العلمية والعملية قبل استحكام الدواعي البهيميّة والسبعية ، وطبعت على قلبه الهيئات المظلمات والملكات المسودات فمن أين وأنّى تبقى له أثر من آثار الروح المجرّدة التي شأنه العرفان باللّه وملكوته والتقدّس عن البدن وناسوته ؟ إذ الإنسان إنسان بروحه المقدّسة وبحصة ملكيته التي فيه بالقوة لا ببدنه الظلماني ونفسه الحيوانية ، وإنه بتقوية جانب الروح وإمدادها بالعلم والعمل يكون مرتفعا عن أفق الحيوانات الهالكة ويصير من جملة الملائكة المكرّمة بالفعل ، بعد ما كان بحسب الفطرة ملكا بالقوّة ، وبإهمال جانب الروح وتقوية القوى الحيوانية يبطل استعداده الملكي ( الملكية - ن ) التي بها قوام الإنسان من حيث هو انسان . فإذا بطل هذا الاستعداد فقد هلك إنسانيته ، ولكن لا ينعدم بالمرّة فيخلص من العذاب الهون ، لقيام البراهين الشرعيّة والعقلية على بقاء سنخ الإنسان في النشأة الثانية ، بل يبقى بقاء لا موت فيه ولا حيوة ولا خلاص معه ولا نجاة ، إذ ليست حياته المعرفة والقدرة ، بل حياته الانفعال والغصّة ، والعذاب والنكال فيبقى أسيرا في كرب السعير ، محترقا بنار الشهوات ، ملسوعا بلسع الحيّات
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ 4 / 56 ] .