منشؤه مجرد الإمكان - أو بحسب تضاعفه - الذي هو من لوازم الماهية التي لا يمكن زوالها وانجبارها ولهذا لا يعدّونه شرا لكونه ملائما لتلك الماهيّة غير غريب عنها وليس كالآفة والمرض اللاحق ، وأمّ الهيولي والجسميّة - التي يجري مجراه عند قوم - فهي مبدأ النقائص الشخصية كالتشويهات في الخلقة أو ذمائم الصفات في النفس كالجهل والبخل والقساوة وغيرها ، أو قبائح الأفعال كالزنا واللواطة والسرقة وأمثالها ، فإن منشأ الكل هو التعلق بهذا البدن المادّي ولكن يمكن إزالتها بتهذيب النفس وفعل الخيرات وتبديل السيّئات بالحسنات بقبول المواعظ والحكم واستماع الآيات والأحاديث على وجه التدبّر فيها عند الإصغاء ، وإجابة دعوة الأنبياء فيما جاؤوا به ، والاقتداء بالأئمة الهادين المهديّين المعصومين عن الخطاء - سلام اللّه عليهم من الملك الأعلى .
وملاك الأمر في جميع ذلك هو قطع التعلّق عن الدنيا ورفض عالم الهيولى لتزيّن الروح بالمعارف الحقّة الإلهية ، والمعالم اليقينيّة الدينيّة التي هي السعادة العظمى .
فقوله :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
إشارة إلى ذلك القطع والرفض ، و
يُؤْمِنْ بِاللَّهِ
إشارة إلى تزيّن النفس بمعرفة الحق الأول بما له من نعوت جلاله وجماله ، وكيفيّة صدور أفعاله وآثاره في البدو والإعادة ، فالأول تخلية والثاني تحلية .
فبهذين الوسيلتين - أي التخلية والتحلية استمسك الإنسان بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وهو مجاورة الحق الأول والانخراط في سلك مقربيه من أهل الجبروت والملكوت .
وتاسعها : القوة الوهمية التي هي أعظم جنود الشيطان ، إذ بوسيلتها يتصرّف الشياطين بالإغواء والإضلال في نفوس الإنسان ، وسيأتيك لهذا المعنى وجه إنشاء اللّه تعالى .