تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أن إلهه هواه ومعبوده نفسه ، فما دام على هذه الحالة فهو غير واصل إلى مرتبة العبادة والمعرفة ، فتارة يعتريه الخوف وتارة تسلّيه الرجاء ، وفي بعض أوقاته من الجفاء يلجئ إلى باب الصبر وفي بعضها يستزيد النعم بالشكر . فإذا ارتقى من هذه المنزلة إلى درجة الرضا والتسليم استراح من جميع ذلك فلم يحتج إلى جذب مطلوب له أو دفع مهروب عنه ، فلا يبقى له كراهة في الدين ولا أذية في سلوك طريق المسلمين ، كما ورد في الحديث « 1 » « أول الإسلام إماطة الأذى عن الطريق » يعني : أول درجات الإسلام الحقيقي مقام الرضاء بالقضاء من غير إكراه ، بأن ينظر المرء إلى جميع المخلوقات بعين الرضا ، ويجد من نفسه في جميع ما يسمّى بالتكاليف الدينية حالة الارتضاء ، وذلك باب اللّه الأعظم وبه يدخل السالك في التديّن بدينه الذي هو معرفة التوحيد المشار إليه آنفا والعمل بمقتضاه . وإنما قلنا « إنه أول الدرجات » لأن هذه المرتبة قاصرة عن مراتب الكاملين الواصلين إلى أدنى حدّ من حدود الكمال ، فإن الراضي يدّعي أن له وجودا مقابلا لوجود المرضيّ عنه ، وله مجال تصرّف قد تركه باختياره ، وذلك يستلزم دعوى الشركة في الوجود والتصرف - تعالى اللّه عن أن يكون له شريك أو معه متصرف . فإن ارتقى من هذه الدرجة ووصل إلى مقام الفناء المحض ومحو الأثر الذي هو منزل أهل الوحدة المطلقة - لا أقول التوحيد فإنّه طلب وحدة قسريّة ، ولا الاتّحاد فإنه وإن كان بالطبع لا بالقسر لكن تفوح منه رائحة الكثرة - لا يلتفت
هامش
( 1 ) الترمذي : المقدمة ، باب في الايمان : الايمان بضع وستون أو سبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق . . . ( 1 / 22 ) .