تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
اختياريّة لا إجبار فيه ، لكن يرد عليه أن الإكراه غير الإجبار ، لكون أحدهما طبيعيا والآخر نفسانيا ، فنفي أحدهما لا يستلزم نفي الآخر ، بل الاعمال الشرعية - كالصلاة والزكاة وغيرهما - لو أهملها المكلّف استحقّ للاكراه والزجر ، بل القتل ، فكيف لا يجرى فيها الإكراه ، ولهذا قيل : « الآية منسوخة » . والأولى أن يقال : إن اللّه سبحانه لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر ، إلا أن يقسر على الايمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا - التي هي دار الابتلاء - إذ في القهر والإكراه على الدين يبطل معنى الابتلاء والامتحان . ونظير هذا قوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ 18 / 29 ] وقال في سورة أخرى
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ 10 / 99 ] وقال في سورة الشعراء :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
[ 26 / 3 - 4 ] . وممّا يؤكّد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
يعني ظهرت البراهين وانكشف الحجج والبيّنات ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإكراه والإلجاء . وذلك غير جائز لأنّه ينافي التكليف في هذه الدنيا .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 195 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )