له في الآخرة ولا طعام له إلا من الحميم والزقّوم والغسلين . ويكون غذاء أهل الجحيم في الدار الآخرة من غسالات الطبائع وأكدارها وأوزارها ، كما انّ غذاء أهل الجنة من الصفايا واللطائف ، وغذاء أهل القرب منهم من المعارف الإلهيّة والعلوم الربانيّة .
تأييد استبصارى [ في تأويل معصية آدم ]
اعلم انّ للإنسان همّة عالية وحرص شديد بحسب الجبلّة ، فلا يزال تقول نار طبيعته وجهنم حرصه : « هل مزيد » ولا تمتلي حتى يضع الجبار قدمه فيها .
ثمّ انّه أبيح له ولزوجته مشتهيات النفس كلّها ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وقيل لهما : « اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة » وهي نار الطبيعة التي شأنها تحليل الموادّ والتصرّف فيها ، وقد كانت كامنة في النفس ولم تخرج من الكمون إلى البروز . أو لا ترى إنّ الإنسان إذا أخذ في تناول المطعوم انبعثت من طبيعته حرارة طابخة ونضجت مادة الغذاء ؟ فأصل النار من النفس ، ثمّ من الطبيعة .
ولا تقربا شجرة الطبيعة السفليّة إن كنتما طالبين للسلامة عن المصيبة والمحنة ، فارغين عن حرقة المحبّة ، وإلّا فتكونا من الظالمين على النفس - بتوريطها في ورطات الهلاك التي قلّت النجاة عنها ، وإحراقها بنار المحبّة والمحنة ، وألم البعد والفرقة ، وتعب السفر في الدنيا لربح الآخرة . وقد غرقت في بحارها طوائف كثيرة انكسرت فيها سفائنهم ومراكبهم .
وحمل « الظلم » على هذا المعنى أوفق بالمحافظة على قاعدة عصمة الأنبياء عليهم [ السلام ] وكل مذهب أفضى إلى انحفاظ عصمتهم كان أولى . وذلك كما في قوله تعالى :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ 33 / 72 ] وسيأتي بيانه إن شاء اللّه [ تعالى ] .
* * *