تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
قال بعض أولى البصائر : إنّه تعالى قد وسّع على آدم عليه السّلام أسباب الانبساط أوّلا ، ثمّ ضيّق عليه الأمر آخرا . وأنشد :
وأدنيتني حتّى إذا ما فتنتني * بقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لا لي حيلة * وغادرت ما غادرت بين الجوانح
خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وأسكنه الجنة في جواره وزوّجه حوّاء . حتّى شاهد جمال الحقّ في مرآة وجهة ، وأنبت شجرة المحبّة بين يديه - ثمّ منعه ، وكان في ذلك المنع تحريص وتذكير أيضا . ثمّ عاتبة بقوله :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
. وهذا كما أسكر موسى عليه السّلام بأقداح الكلام ، وأذاقه لذّة شراب السماع ، وقرّبه نجيّا ، حتّى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله قبل أوانه ، وقال :
رَبِّ أَرِنِي
عاقبة بسطوة
لَنْ تَرانِي
[ 7 / 143 ] . وذلك إنّ الولاء والبلاء توأمان ، والمحبّة والمحنة رضيعا لبان ، والمطلوب كلّما كان أدفع كان أعزّ وأمنع ، والجمال لا بدّ من الدلال ، وبه يتميّز العاشق الصادق من المدّعى المحتال ، فلمّا ذاقا شجرة الغرام خرجا من دار السلام ، فما لأهل السلام ودار الغرام ، وأين الفارغ السالي من المحبّ الغالي . وبالجملة فلما جاء القضاء ضاق الفضاء ، فلم يمس بعد ما كان مسجود الملك محسود السماك إلى السمك ، مشمول الرعاية ، موفور العناية ، حتّى نزعه لباس الأمن والفراغ ، وبدّل باستيناسه الاستيحاش ، يدفعونه الملائكة بعنف ، أن اخرج من غير مكث ولا بحث . فأزلّهما يد التقدير بحسن العناية والتدبير ، وكان الشيطان من جملة أسباب التقدير 11 ، فصار هدف سهام الطعن والطرد ، فلمّا وقعا من القربة في الغربة ، ومن الألفة في الكلفة استوحشا من كلّ شيء . وهكذا شرط المحبّة عداوة ما سوى