الثالث إنّ إبليس لمّا امتنع من السجود لعن ، فما كان يقدر مع غضب اللّه عليه على أن يصل إلى جنّة الخلد .
أقول : كما استحال عقلا أن يدخل إبليس بعد طرده ولعنه الجنّة الآخرة ، كذلك استحال دخوله في الجنّة السابقة ، إلا إنّ العلماء ذكروا كيفيّة دخوله إنّه على سبيل الاختلاس والاجتياز في أوقات قليلة نادرة ، كسارق يريد أن يدخل دار السلاطين ويختطف منها شيئا ، ولذا قالوا : ويجوز أن يكون وسوسة إبليس من خارج الجنّة من حيث يستمعان كلامه .
الرابع : إنّ الجنّة التي هي دار الثواب لا يفني نعيمها ، لقوله تعالى
أُكُلُها دائِمٌ
[ 13 / 35 ] وقوله :
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
[ 11 / 108 ] أي غير مقطوع [ فهذه الجنّة لو كانت هي التي دخلها آدم ] « 1 » فلم يخرج منها آدم وزوجته - لكنهما قد خرجا منها .
أقول : هذا كالوجه الأوّل ويرد عليه شبه ما مرّ ، والتحقيق الذي عليه التعويل إنّ الدارين واحدة بالذات ، متغايرة بالاعتبار ، وكذا جميع بدايات المقامات ، بالقياس إلى نظائرها من النهايات ، فعليه يحمل أقوال أهل المعرفة واختلافهم .
وأما أهل النكرة والحجاب ، فمنهم من قال : إنّ هذه الجنّة التي خرج منها آدم كانت في الأرض - لا في السماء - وهو قول أبي القاسم البلخي ، وأبو مسلم الإصفهاني ، وبه قال بعض أصحابنا ، فحملوا الإهباط على الانتقال من بقعة ، إلى بقعة كما في قوله :
اهْبِطُوا مِصْراً
[ 2 / 61 ] .
وربما عيّن وقيل : « إنّه بستان كان بأرض فلسطين . أو بين فارس وكرمان - خلقها اللّه امتحانا لآدم » وحمل الإحباط على الانتقال منه إلى أرض الهند .
واستدلّ على ذلك بأنّه لا نزاع في أنّ اللّه خلق آدم عليه السّلام في الأرض ، ولم
هامش
( 1 ) الإضافة من تفسير الرازي .