متعلّق الوجود بالمادّة الظلمانيّة ، مشتملا على أمثلة ما في العالم .
وقد صرّح صاحب الفتوحات المكيّة « 1 » في الباب الحادي والعشرين وثلاثمائة من كتابه بأنّ هذا البرزخ غير الأوّل . ويسمّى الأول بالغيب الإمكاني . والثاني بالغيب المحالي . لإمكان ظهور ما في الأوّل في الشهادة وامتناع رجوع ما في الثاني إليها إلّا في الآخرة .
وقليل من يكاشفه بخلاف الأوّل . ولذلك يشاهد كبراؤنا « 2 » ويكاشف البرزخ 9 الأول ، فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدنياوي من الحوادث ، ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى » - انتهى . « 3 » واحتجّوا على المغائرة بينهما أيضا بوجوه :
أحدها : إنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنّة الخلد وكان من دخلها لم يخرج منها ، لقوله تعالى :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
[ 15 / 48 ] وقد خرج آدم وزوجته منها ، فليست هي بجنّة الخلد .
أقول : هذا ضعيف لأنّ ذلك إنّما يكون إذا استقّر أهل الجنّة فيها للجزاء والثواب والوصول إلى الغاية والنهاية ، فأمّا قبل ذلك فإنّ كلّ شيء هالك إلّا وجهه .
الثاني : إنّ آدم لو كان في جنّة الخلد لمّا لحقه الغرور من إبليس بقوله :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
[ 20 / 120 ] ولمّا سمع قوله
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
[ 7 / 20 ] .
أقول : استحالة ذلك في بداية الأمر وقبل خروج النفس من القوّة إلى الفعل ممنوع ، فإنّ الإنسان ما لم يقع في دار التكليف والابتلاء فهو بعد سريع القبول للوقائع .
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية : 3 / 78 .
( 2 ) المصدر : كثير منا .
( 3 ) راجع تفسير الفخر الرازي : 1 / 454 .