فصل في أن المأمورين بسجدة آدم عليه السلام هل كانوا جميع الملائكة ، أم بعضهم ؟
فالأكثرون على الأوّل ، واستدلّوا بوجهين :
الأوّل : صيغة الجمع المحلّى بلام التعريف تفيد العموم ، سيّما وقد قورنت بأبلغ تأكيد في قوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
.
والثاني : وجود الاستثناء من الجمع دالّ على أنّ ما عدا المستثنى كان داخلا في الحكم . وقوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ
دلّ على أنّ الملائكة كلّهم سجدوا لآدم ، فدلّ على أنّهم كلّهم كانوا مأمورين بالسجود .
ومن الناس من أنكر ذلك وقال : « المأمورون بالسجدة هم ملائكة الأرض » واستعظموا لأن يكون أكابر الملائكة مأمورين بسجدة آدم .
والمشهور من آراء الباحثين من الحكماء مثل هذا ، لأنّ الملائكة السماويّة - وهي الجواهر الروحانيّة المحرّكة للأجرام العالية عندهم - يستحيل على أصولهم أن تكون منقادة للنفوس الناطقة الأرضيّة ، فلهذا ذهب أكثرهم على أنّ المراد من الملائكة المأمورين بسجدة آدم هي القوى البشريّة ، المطيعة للنفس الناطقة ، الخادمة إيّاها طبعا .
أو يكون المراد منها النفس الحيوانيّة والنباتيّة المنقادة للإنسان حيث سخّرها اللّه له بما أعطاه من قوّة تسخيره إيّاها وتصرّفه فيها لمصالح معاشه ومعاده ، وإليه ذهب صاحب إخوان الصفا « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) راجع رسائل إخوان الصفا : الرسالة الثامنة من العلوم الناموسيّة : 4 / 229 .
والرسالة السادسة من الجسمانيّات : 2 / 148 .