فعلى هذا القياس الحقيقة النبويّة ، لأنّ حقيقة النبي صلّى اللّه عليه وآله حقيقة مقدّسة شريفة ، وله مقام كلّي مع اللّه لا يسعه أحد - لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل - كما
ورد من قوله صلّى اللّه عليه وآله : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل »
- والذي كان له وقتا صار له مقاما ، إذ الفرق بين الوقت والمقام في عرف أهل اللّه كالفرق بين الحال والملكة النفسانيّين في عرف أهل النظر . فذات النبي صلّى اللّه عليه وآله مع اللّه ألبتّة ، ولكن توجد مع ذلك في مظاهر ومجالي بحيث من رأى مثال حقيقته فقد رآه بالحقيقة - لا بالمجاز - .
وكذلك ذات اللّه تعالى منزّه عن الشكل والصورة ، ولكن ينتهي تعريفه للعبد بواسطة مثال محسوس إلى حيث يصلح أن يكون مثالا لجماله الحقيقي الذي لا شكل ولا صورة ولا لون له ، ويكون ذلك المثال صادقا حقّا ، وواسطة في المعرفة . فيقول الرائي النائم : « رأيت اللّه في المنام » لا بمعنى انّه رأى ذاته الأحديّة مجرّدة عن الأشباح والأمثلة . بل بمعنى انّه رأي مثال ذاته - والمثال غير المثل .
وهم وإزالة
ولعلّك تقول : إذا أمكنت رؤية اللّه بضرب مثال ، فلما ذا لمّا طلب موسى عليه السّلام الرؤية لقومه أخذتهم الصاعقة ؟ ! ولمّا طلب لنفسه قال :
لَنْ تَرانِي
؟ ! فهلّا أظهر له - أو لهم - مثالا صادقا يرونه شاهدين ؟ .
فنقول : إنّ الرؤية المثاليّة له تعالى على أنحاء متفاضلة ، وفي عوالم متفاوتة في القرب والبعد منه تعالى ، فربّ مثال بالنسبة إلى مثال آخر كالحقيقة بالنسبة إلى مثال . ألا ترى إنّ حقيقة جبرئيل حقيقة عقليّة ، وكان جبرئيل قد يتمثّل أحيانا في هذا العالم بصورة شخص أعرابي ، وكثيرا ما كان متمثّلا بصورة دحية الكلبي ، وكان رجلا حسن الوجه ، وقد يتمثّل له صلّى اللّه عليه وآله في عالم آخر بصورة هي بالحقيقة صورته وقد