بشيء ، فتكون رؤية اللّه جائزة .
والجواب انّ إنزال الكتاب على وجه اقترحوه أمر محال لما حقّق في العلوم الحقيقية من كيفيّة نزول الكلام والكتاب ، وقد سبق في المفاتيح ما يوضح ذلك لأهل البصيرة « 1 » . وكذا نقول استقرار الجبل حين التجلّي أمر محال .
وأمّا الذي أجاب به بعضهم « 2 » « من أنّ الظاهر يقتضي كون كلّ واحد من نزول الكتاب والرؤية ممتنعا ، لكن ترك العمل به في إنزال الكتاب 150 فيبقى معمولا به في الرؤية » ففي غاية السخافة كما لا يخفى ، لأنّه ما أقام دليلا على أنّ الاستعظام لا يتحقّق إلا إذا كان المطلوب ممتنعا ، وإنّما وقع التعويل على ضرب الأمثلة 151 والمثال لا يقنع به في هذا الباب ، والعمل بالظاهر إنّما يصح - حيث يصح - في الأحكام الفرعيّة - دون العقائد الأصليّة .
البحث الثاني :
إنّ الرؤية - على أيّ وجه كانت - هل هي ممكنة للعباد ؟ أم هي ممتنعة ؟ .
اعلم أنّ أكثر الناس يتنازعون في مسألة لا يعرفون بعد موضوعها ولا محمولها ، فقبل تحرير محل النزاع يخاصم بعضهم بعضا ، ويكفّر بعضهم بعضا . وهذه المسألة من هذا القبيل ، فإنّ الواجب أوّلا على كلّ مسلم أن يعرف ربّه ويعرف نفسه ، ثمّ يتكلّم في هذا المقام .
وهذان العلمان من العلوم الغامضة التي لا يتيسّر إلا بجهد جهيد وخوض شديد ، مع ذهن صاف وصدر منشرح ، وقلب منور مشتعل في الصدر كالمصباح 152 في القنديل . وأكثر الناس غلاظ الطبائع قساة القلوب . فإذا من حصل له علم بماهيّة
هامش
( 1 ) راجع المفتاح الأوّل من كتاب مفاتيح الغيب للمصنف قده .
( 2 ) هو أبو الحسين البصري كما في تفسير الفخر الرازي : 1 / 532 .