نفسه وعرف ربّه بصفاته اللائقة به - من العلم ، والقدرة والإرادة ، والحياة ، وغير ذلك - وعرف الصفات على وجه تصحّ نسبتها إلى الذات الإلهية ، وعلم تنزيه اللّه عن النقائص والعيوب والتشبيهات : ثمّ علم معنى الرؤية إذا نسبت إلى الحقّ ومعنى الرؤية إذا نسبت إلى الخلق ، فحينئذ لم يبق له مجال شك ، ولا يسع لأحد محل خصومة وخلاف في هذه المسألة .
قال تعالى :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
[ 2 / 189 ] والقوم تركوا وصيّة ربّهم ، واستدلّوا على هذا المطلب الشريف الشامخ الإلهي بالعمل بالظاهر من الوقائع والحكايات والأمثال المشهورة ، وهذا بعينه إتيان البيت من ظهره وسطحه . ولذلك علومهم وكمالاتهم دائما ظاهريّة سطحيّة ، وهم المسمّون عند أهل المعرفة الحقّة بالظاهريّين وعلماء القشر .
فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : رؤية اللّه تعالى إمّا أن يراد بها رؤيته بهذه الآلة المخصوصة ، أو بعين القلب . وكلّ منها إمّا أن يتعلّق بذاته تعالى من حيث ذاته أو بمظهر خاص من المظاهر . فهذه أربعة أقسام بحسب الاحتمال العقلي قبل إقامة البرهان .
أمّا الأوّل - وهو أن يرى الإنسان بهذه الباصرة الدائرة ذاته الأحديّة ، فلا شبهة لذي بضاعة علميّة في أنّ ذلك من الممتنعات ، لأنّ الإحساس بالشيء حالة وضعيّة للجوهر الحاسّ بالقياس إلى المحسوس الوضعي ، ففرق ما لا وضع له ولا جهة له محسوسا ، كفرض ما لا جهة له في جهة ، أو ما لا وضع له ذا وضع ، وهذا فرض أمرين متناقضين ، فيكون المفروض - بل الفرض - محالا .
وأمّا الثاني - وهو أن يرى بهذا البصر الجسماني مظهرا من مظاهر ذاته 153 ، ومجلى ومثالا للحق تعالى ، سواء علم كونه مثالا ومظهرا له ، أو لم يعلم - فهذا أمر