أو بقتل بعضكم بعضا - فإنّ الأقوال فيه مختلفة .
وقال قوم من المفسّرين - كالقاضي عبد الجبار وغيره - : لا يجوز أن يراد به قتل كلّ من التائبين نفسه ، واحتجّوا عليه بوجهين « 1 » :
أحدهما إنّهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين به لعصوا بتركه .
وثانيهما إنّ القتل اسم لنقص البنية بفعل مزهق للروح في الحال ، وأمّا ما يؤدي إلى الزهوق وقتا آخر فإنّما سمّى قتلا على سبيل المجاز . فإذا كان كذلك فلا يجوز من اللّه الأمر بقتل الإنسان نفسه ، لأنّ الأوامر الإلهية والتكاليف الشرعية إنّما وقعت لمصلحة للمكلّف به في المستقبل ، ولا يتصوّر وجودها بعد عدمه .
وفي هذه المقدّمات مواضع نظر ، على أنّ المصلحة لا يجب أن يعود إليه ، بل ربما تعود مصلحة قتله لنفسه إلى غيره بأن ينتفع به ذلك الغير ، ثمّ اللّه يوصل العوض العظيم إليه . ثمّ على تقدير عودها إليه لا يلزم أن يكون في الدنيا بل يكون في العقبى .
سلّمنا إنّه يلزم عودها إليه في الدنيا لكن لم لا يجوز أن يكون علمه بكونه مأمورا بهذا القتل وامتثاله للأمر مصلحة له في هذا الآن ، أو الزمان القليل ؟ كما انّه لو أمر بأن يقتل نفسه غدا فإنّ علمه بذلك يصير داعيا له إلى ترك المعاصي من ذلك الزمان إلى ورود الغد ، فالوجه الأوّل أقوى ، ولهذا عوّل عليه المفسّرون .
* * * فعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها إمّا إلى ما ذكرنا أوّلا ، أو إلى غيره وهو اثنان :
أحدهما أن يقال : أمر سبحانه التائبين أن يقتل بعضهم بعضا وهو قول ابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم « 2 » وهذا كقوله سبحانه :
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 527 .
( 2 ) مجمع البيان : 1 / 113 .