فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ 24 / 61 ] أي ليسلّم بعضكم على بعض . وكقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ 4 / 29 ] ومعناه لا يقتل بعضكم بعضا .
وتحقيق ذلك إنّ المؤمنين كنفس واحدة بخلاف غيرهم من الكفار والمنافقين فإنّهم ذو آراء متناقضة ومذاهب متخالفة وأخلاق متشتّتة بعضها بهيميّة ، وبعضها سبعيّة ، وبعضها شيطانيّة . ولذلك حشروا إلى صور مختلفة بحسب ما غلب واستولى على نفوسهم من الأخلاق كما هو معلوم من مباحث علم المعاد . أمّا نفوس أهل الايمان والتوحيد فقد ثبت في موضعه انّها ستصل بعالم القدس .
ومذهب بعض أئمّة الحكمة والتوحيد من الأقدمين إنّ النفس العارفة العاقلة عند خروجها عن القوّة إلى الفعل في باب العاقليّة والمعقوليّة تتّحد بروح القدس المسمّى عندهم بالعقل الفعّال ، فعلى هذا صحّ القول بأنّها كنفس واحدة .
وكذا على مذهب أفلاطن ومن وافقه من عظماء الحكماء في باب انّ لكل نوع صورة مفارقة في عالم الأرواح العالية هي حقيقة ذلك النوع وتمامه ، وهي جوهر واحد قائم عند اللّه ماثل بين يديه . ومع وحدته هو تمام كلّ واحد من أفراد ذلك النوع ، وكذلك لنوع الإنسان وأفراده صورة واحدة في عالم الربوبيّة هي تمام جوهر الإنسانيّة وان أفراد الناس إذا لم ينسلخوا عن الفطرة الإنسانيّة بالكفر ونحوه يكونون متّحدين في تمام حقيقتهم وكمال وجودهم العقلي الباطني بجوهر قدسيّ واحد ، هو نفس حقيقة الجميع ، وكان هذه النفوس البشريّة أجزاء لذلك الجوهر ، لأنّه الأصل . وهذه هي الفروع الصادرة منه ، العائدة إليه عند تمامها وكمالها .
وإليه الإشارة بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
[ 4 / 1 ] وقوله :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ 31 / 28 ] ولذا قيل في قوله :
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
[ 49 / 11 ] أي إخوانكم من المؤمنين .
وفي قوله :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
[ 24 / 12 ]