تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
عن الفطرة وانخرط في سلك البهائم والحشرات . أو كانوا أضرّوا بأنفسهم لأنّ لا ضرر أعظم مما يؤدّي إلى عذاب الأبد ، ولذلك قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ 31 / 13 ] .
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ
أي ارجعوا وأنيبوا إلى خالقكم بالطاعة والتوحيد . والفرق بين « الباري » 149 و « الخالق » انّ الباري هو المبدع المحدث ، والخالق هو المقدّر الناقل من صورة إلى صورة ، ومن حال إلى حال . وأصل التركيب في اللغة لخلوص الشيء عن غيره إمّا على سبيل التفصّي ، كقولكم : « بريء المريض من مرضه ، والمديون من دينه » أو على سبيل الإنشاء ، كقوله : « برء اللّه آدم من الطين » * * * سؤال : لم اختصّ هذا المقام بذكر هذا الاسم دون غيره من الأسماء الحسنى ؟ جواب : لأنّ الباري هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت لقوله تعالى :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[ 67 / 3 ] ومتميزا بعضه من بعض بصور متبائنة وأشكال مختلفة ، فكان فيه تقريع لهم بما وقع منهم من ترك عبادة العالم الخبير الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال والصور المختلفة وأبرياء من التفاوت إلى عبادة البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة - وفي أمثال العرب : « أبلد من ثورة » - حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللّه . * * * قوله :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
تتميما لتوبتكم ، إمّا بترك الشهوات واللذات وإماتة القوى الحيوانيّة بمنعها عن دواعيها - كما قيل : « من لم يعذّب نفسه لم ينعمها ، ومن لم يقتلها لم يحيها » وفي كلام بعض أعاظم الحكماء : « مت بالإرادة تحيي بالطبيعة » وفي الحديث النبوي على قائله وآله أشرف سلام اللّه : « موتوا قبل أن تموتوا » و روي انّه قال أيضا : « من أراد أن ينظر إلى ميّت يمشي فلينظر إلىّ » - أو بالبخع « 1 » ،
هامش
( 1 ) بخع نفسه : نهكها وكاد يهلكها من غضب أو غم .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 399 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )