وأكثر الناس اعتمادهم على ما يدركه الحواسّ ، وعكوفهم على ما ينتمي إلى الأوضاع الحسيّة ، ولهذا يغلطون كثيرا ، ولو لم يكن لهم قائد يقتدون به يسلك بهم كمن يقود الأعمى في الليل المظلم ، وإلّا يقعون في الحميم ، ويسلكون طريق الجحيم ، وهؤلاء طائفة لا يعرفون الحق إلّا بالرّجال .
وأمّا العرفاء الإلهيون فهم يعرفون أهل الحقّ بالحقّ ، كما
قاله أمير المؤمنين وإمام العارفين عليه السّلام : « لا تعرف الحق بالرّجال ، اعرف الحقّ تعرف أهله »
فكانت معرفة العارفين المحقّقين بصدق النبي صلّى اللَّه عليه وآله ضروريّة ، كمعرفتك إذا رأيت رجلا عربيّا يدّعى الفقه ويناظر في مسألة من مسائل الفقه ، ويحسن في البحث عنه ، ويأتي بالفقه الصحيح الصريح ، فإنّك لا تتمارى في أنّه فقيه ، ويقينك الحاصل بفقهه من مناظرته أوضح من اليقين الحاصل به لو قلّب ألف عصا ثعبانا ، لأنّ ذلك يتطرّق فيه احتمال السحر والطلسم والتلبيس بغيره ، ويحصل به ايمان ضعيف هو ايمان العوام والمتكلّمين ، فأمّا ايمان الناظرين من مشكاة الملكوت ، فلا يتطرّق إليه تلك الاحتمالات ، وهذا النحو من العلم والايمان إنّما يحصل بتعليم من اللَّه ومن جبرئيل بواسطة الرسول صلّى اللَّه عليه وآله .
وهذا أوضح من الاعتقاد الذي يحصل من النصّ أو بالمعجزة ، فإنّ ثلاثة أنفس لو ادّعوا عندك انّهم يحفظون القرآن ، فقلت : « ما برهانكم » ؟ فقال أحدهم :
انّه نصّ علىّ الكسائي أستاذ المقرءين . أو نصّ علىّ أستاذي فلان وأستاذي نصّ علىّ ، فكأنّ الكسائي نصّ علىّ . وقال الثاني : برهاني أنّي أقلّب العصاحيّة - وقد قلّب العصاحيّة - وقال الثالث : برهاني أن أقرأ القرآن بين يديك من غير مصحف - وقرء - فليت شعري أيّ هذه البراهين أوضح ؟ وقلبك بأيّها أشدّ تصديقا ؟
لا شكّ انّك بالذي قرء القرآن ، فهو غاية البرهان ، وبه يحصل غاية الايمان إذ لا يخالج فيه ريب .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 377
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٧٧