اذعانها ، لأنّ كلّ عاقل يعلم ببديهة عقله إنّ الصنم المتّخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحسّ ولا يعقل يستحيل أن يكون إليها في السماوات والأرض ، وهب انّه ظهر منه خوار ، ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها .
ولا يمكن تصحيح هذه الواقعة إلّا على وجه ، وهو إنّ السامري ألقى إلى القوم انّ موسى إنّما قدر على ما أتى به لأنّه كان يتّخذ طلسمات على قوى فلكيّة ، فأنا اتّخذ لكم طلسما مثل طلسمه ، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث يخرج عنه صوت عجيب ، فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السّلام في الإتيان بالخوارق ، ولعلّ القوم كانوا مجسّمة وحلوليّة ، فجوّزوا حلول الإله في بعض الأجسام .
وذكر العارف المحقّق محي الدين الأعرابي في فصوص الحكم « 1 » : « إنّ من خصائص الأرواح انّها لا تطأ شيئا إلا حيي ذلك الشيء وسرت الحياة فيه ، ولهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبرئيل عليه السّلام - وهو الروح - .
وكان السامري عالما بهذا الأمر ، فلمّا عرف انّه جبرئيل ، عرف انّ الحياة قد سرت فيما وطئ عليه ، فقبض قبضة من أثر الرسول - « 2 » بالضاد والصاد ، أي :
بمليء يده ، أو بأطراف أصابعه « 3 » ) - فنبذها في العجل ، فخار العجل ، إذ صوت البقر انّما هو خوار ، ولو أقامه صورة أخرى ، لنسب إليها اسم الصوت الذي لتلك الصورة ، كالرغاء للإبل ، والثؤاج للكباش ، والعيار للشياه ، والكلام أو النطق للإنسان « 4 » . فذلك القدر من الحياة « 5 » يسمّى « لاهوتا » و « الناسوت » هو المحلّ القائم به ذلك الروح » - انتهى .
هامش
( 1 ) فصوص الحكم : الفص العيسوي ، 138 .
( 2 - 3 ) المصدر : بالصاد أو بالضاد ، أي بملء أو بأطراف أصابعه .
( 4 ) المصدر : والصوت للإنسان أو النطق أو الكلام .
( 5 ) المصدر : فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء يسمى . . .