الإنسان ومعرفة أطواره ونشآته ، وذلك متعلّق بعلوم كثيرة من علوم المكاشفات . وقد مرّت إشارة إلى سرّ نزول الروح الإنساني إلى هذا العالم فيما سبق عند قوله تعالى :
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
.
والذي نذكر هاهنا في دفع هذا الإشكال هو أنّ المراد بتكوين الإنسان عامرا لهذه النشأة وزينة للكائنات هو تعميره على وجه تعود فائدة التعمير إليه ، فانّ الإنسان الكامل ذو أجزاء كثيرة وأطوار متعدّدة ، له بحسب كل قوّة منها كماليّة وتماميّة لا تحصل إلّا بها ، وليس الغرض من خلافته في الأرض وتعميره للدنيا إلّا تبقية شخصه ونوعه وتكميل ذاته على وجه يصير مظهرا للأسماء الإلهيّة ، وجامعا للحقائق الكونيّة والأسرار الربوبية ، خليفة للّه في الأرض والسماء ، وزينة للنشأة الباقية بعد الأولى .
وأمّا تكوّن سائر الأكوان - من النبات والحيوان بسببه فهو إمّا لأجل انتفاعه بها واستخدامه لها - كما دلّ عليه قوله في حق الجميع :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ 2 / 29 ] وقوله تعالى في باب الأنعام والدوابّ :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ * وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
[ 36 / 71 - 72 ] وقوله في باب النباتات :
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ 16 / 11 ] وقال في باب المعادن والجمادات :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
[ 16 / 81 ] وغير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المطلب .
وإمّا لأجل أن لا يكون ضائعا مهملا ما بقي من فضالة مادّة الإنسان وكثائف طينته التي صرفت لطائفه في تخمير قالبه ، فكما إنّ البنّاء يستعمل الخشب في غرضه فما فضل لا يضيعه ، بل يتّخذه قسيّا وخلالا وغير ذلك ، فكذلك الغاية القصوى في