جميع ذلك مما يعدّ النفس الشريفة الزكيّة للمكالمة الحقيقية مع اللّه تعالى ، وإفاضة صور الحقائق عليها .
ولا يختصّ ذلك بمدّة دون أخرى . غير أنّ تعيين الأربعين والحكمة في ذلك لا يطّلع عليه إلّا الأنبياء والكمّل من الأولياء عليهم السلام .
وذكر بعض العرفاء « 1 » نكتة لطيفة في بيان ذلك وهي : « إنّ اللّه سبحانه لمّا أراد تكوين آدم عليه السّلام من التراب ، قدّر التخمير بهذا القدر من العدد ، كما
وردت « خمّرت طينة آدم بيده أربعين صباحا »
فكان آدم عليه السّلام لما كان مستصلحا لعمارة الدارين لكونه مركبا من جوهرين : أحدهما ملكوتي أخروي وهو روحه ، والآخر ملكيّ دنيويّ وهو قالبه ، فأراد اللّه منه عمارة الدنيا وعمارة الجنّة ، فكوّنه من التراب تكوينا يناسب عالم الحكمة والشهادة أوّلا ، ويناسب عالم الغيب والرحمة ثانيا .
وما كانت عمارة النشأة الأولى تتأتّى منه إلّا ويكون خلقته من أجزاء أرضيّة وقوى سفلية ، بحسب قانون الحكمة . فمن التراب كونه ، وأربعين صباحا خمّر طينته ، وأودع فيه بحسب كلّ تخمير مرتبة من القوى والآلات ، وطبقة من التجسّم والأعضاء والأدوات ، يوجب كلّ مرتبة وطبقة منها نوعا من البعد عن الحضرة الإلهيّة في القوس النزوليّة . 129 فاحتجب عن عالم القدس والوحدة بالتوجّه إلى عمارة الدنيا وزينة التركيب لبعده بالتخمير أربعين صباحا بأربعين حجابا من الحضرة الإلهيّة ، كلّ حجاب معنى مودع فيه يصلح لعمارة الدنيا وزينتها ، من القوى النفسانيّة والحيوانيّة والنباتيّة والطبيعيّة . ويتعوّق به عن مراتب القرب .
ولو لم يتعوّق الآدمي بهذه الحجب والكثائف عن عالم القدس ومواطن القرب ما تعمّرت الدنيا . فمنشأ بعده عن مقام القرب لعمارة ( بعمارة - ن ) الدنيا ،
هامش
( 1 ) عوارف المعارف للسهروردي : الباب السادس والعشرين : 121 .