وفي ذلك من لطائف صنع اللّه والحكمة ما لا يخفى .
فبالتبتّل إلى طاعة اللّه ، والإقبال إليه ، والرجوع عن أمر المعاش ، وما يتعلّق بالدنيا كلّ يوم يخرج عن حجاب من هذه الحجب ، ويتّخذ منزلا في القرب في القوس العروجية من الحضرة الإلهيّة - التي هي مجمع العلوم ، ومنبع المكاشفات ومصدر الحقائق - فإذا تمّت الأربعون زالت الحجب بالكليّة ، وانصبّت إلى قلبه أنهار العلوم والمعارف انصبابا .
ففي كلّ يوم بإخلاصه في العمل للّه تعالى يكشف له طبقة من طبقات الحجب الجسميّة والأغشية الظلمانيّة والنشأة الترابيّة الطبيعيّة ، ويزول عنه طور من الأطوار الكونيّة الخلقيّة المبعدّة له عن اللّه ، ويظهر عليه سلطان النشأة الاخراويّة ، إلى أن ينكشف باستعمال الأربعين أربعين طبقة من أطباق حجابه وأطوار بعده عن اللّه ، واشتغاله بعمارة الدنيا ، ولذلك
ورد في الحديث : « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع الحكمة » .
فهذا أصل يستفاد منه سرّ تعيين الأربعين في الخلوة والرياضة - والعلم عند اللّه
عقدة وحلّ [ الغرض من تعمير الدنيا ]
ولعلّك تقول : إنّ الحكمة في تعلّق الروح الإنساني بهذا القالب الكثيف لو كانت لمصلحة تعود إلى الكائنات الأرضيّة لكان يلزم منها استخدام العالي للسافل .
وأيضا في تبعيد الروح الإنساني عن عالم القدس والقرب إلى عالم الظلمة والكدورة والعاهات ضرب من التعذيب له ، والتخريج عما فطر له من الروح والراحة . فأيّ فائدة في تعذيب أشرف الجواهر الحيوانيّة ، لأجل صلاح سائر المركبات الحيوانيّة والنباتيّة والمعدنيّة ؟ ! وهذا الإشكال ممّا لا يخلو الجواب عنه عن صعوبة ، لتوقّفه على تحقيق مهيّة