تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وأحكامها قدّر الأسباب العلوية والسفلية من الأوضاع الفلكيّة والحركات العلويّة المعدّة للموادّ السفليّة والامتزاجات العنصريّة ، وكان علماء القبط وحكمائهم أخبروا فرعون وقومه انّه يولد في هذا الزمان مولود من بني إسرائيل يكون هلاك فرعون وذهاب ملكه على يده . فأمر فرعون بقتل كلّ من يولد في هذا الزمان من الأبناء حذرا ممّا قضى اللّه تعالى وقدّر ، ولم يعلم أن لا مردّ لقضائه ، ولا معقّب لحكمه . فكان ذلك سببا لاجتماع تلك الأرواح في عالمها وانضمامها إلى روح موسى وعدم تفريقها وانبثاثها عنه بالتعلّق البدني ، فيتقوّى بهم ويجتمع فيه خواصّهم . وكلّ ذلك اختصاص من اللّه لموسى ، فما ولد موسى إلّا وهو مجموع أرواح كثيرة باتّصال تلك الأرواح متوجّهة إليه بمحبّتها ونوريّتها ، خادمة له ، ولهذا كان محبوبا إلى كلّ من يراه ، لنوريّته ، بتشعشع أنوار تلك الأرواح منه » - انتهى كلامه . * * * أقول : ولا يتوهمنّ أحد إنّ المراد من هذا الكلام إنّ أرواح المواليد المقتولين انتقل بعد القتل ، وصارت بعينها مجتمعة في عالم الأرواح ، وحصل من اجتماعها روح موسى عليه السّلام - كما يوهمه ظاهر الكلام - فإنّ ذلك ليس بصحيح ، إذ الأرواح ليست كالأجسام - تقبل الافتراق والاجتماع - وأيضا انتقالها من أبدانهم إلى بدن موسى عليه السّلام يقتضي التناسخ ، وهو مستحيل عندنا . بل الغرض إنّ القوّة النوريّة الفائضة من اللّه تعالى بواسطة الأسباب العلويّة المنبسطة على الموادّ العنصريّة في كلّ زمان كأنّها مبلغ واحد قوّة وشدّة ، لا كميّة ومقدارا . وهذه القوّة إذا صادفت قوابل كثيرة واستعدادات مختلفة متفنّنة انصرفت بإذن [ اللّه ] إليها ، وتفرّقت تفرّقا معنويّا - حسب تفريق الموادّ الصالحة لها ، وإذا بطلت الموادّ الكثيرة ، ورجعت قواها وأرواحها الجزئية إلى عالمها ومرجعها ، ثمّ حصل