واعلم إنّه يمكن أن يتمحّل للقول الأوّل من هذه الثلاثة وجه يندفع به فساده وهو إنّ المراد بالأرواح مرتبة غير النفوس التي هي مورد المقت والعذاب ، وموضع الآلام والأسقام . فإنّ الروح إذا أريد به جوهر قدسيّ من عالم الأمر له تعلّق بالنفوس البشريّة فهو سعيد في الدنيا والآخرة .
وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى فيما سبق من أنّ نسبة الروح الحيواني إلى الروح النطقي كنسبة الدابّة إلى راكبها ، وأنّ التي قامت الحدود بها وتحسّ بألم القتل والضرب هي النفس الحسّاسة ، وإن النفس الناطقة على شرفها مع عالمها في سعادتها دائمة . 110 وقد سبقت أيضا الرواية
عن النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » إنّه قامت لجنازة يهودي فقيل له :
« إنّها جنازة يهودي » فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أليست نفسا ؟ »
أراد صلّى اللّه عليه وآله بها نفسه الناطقة ، فقام تعظيما لشرفها ومكانتها لأنّها منفوخة من روح اللّه ، فهي من عالم القدس 111 والطهارة لا يكدّرها شيء من الأرجاس . بل إنّ من النفس الحيوانيّة محلّ الشفاء في الدنيا والآخرة وهي في الإنسان باقية بعد البدن ، محشورة في الآخرة - كما أقيم عليه البرهان ، وهو من العرشيّات 112 المختصّة بهذا العبد عناية من اللّه .
وأمّا ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة « من أنّ عصاة المؤمنين لا يعذّبون ، وإنّما النار للكفار » تمسّكا بالآيات الدالة على اختصاص العذاب بالكفار مثل قوله [ تعالى ] :
قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
[ 20 / 48 ] وقوله :
إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ
[ 16 / 27 ] فجوابه إنّ المراد من العذاب ما هو على وجه الخلود . وكذا المراد من الخزي والسوء .
هامش
( 1 ) البخاري : كتاب الجنائز : 2 / 108 .