الشيء لينبعث منه الشيء ، والعلّة الغائية يجب أن تكون متأخّرة الوجود عن الشيء ليستتبعها الشيء ؟
فالجواب إنّ العلّة الغائيّة - إن تأمّلت - فهي في الحقيقة عين العلّة الفاعليّة دائما - لا في هذا الموضع خاصّة - فإنّ الجائع إذا أكل ليشبع ، فإنّما أكل ليشبع لأنّه تخيّل الشبع ، فحاول أن يستكمل له وجود الشبع ، فيصير من حد التخيّل إلى حدّ العين . فهو من حيث إنّه شعبان تخيّلا هو الذي يأكل ليصير شعبان وجودا ، فالشبعان تخيّلا هو العلّة الفاعلية ، والشبعان وجودا هو الغاية .
فالأكل صادر من الشبع ، ومصدر للشبع ، فالشبع هو الذي كان علّة فاعليّة للأكل ، وعلّة غائيّة له ، ولكن باعتبارين مختلف ، فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل ، وباعتبار الوجود العيني غاية .
والأمر فيما نحن فيه على عكس ذلك بوجه . فإنّ اللّه عز وجل حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم ،
قال : « كنت كنزا مخفيّا ، فأحببت أن اعرف ، فخلقت الخلق لا عرف » .
فدلّنا على أن غاية وجود العالم هو اللّه معروفا ، فهو موجودا علّة فاعليّة للعالم ، وهو مشهودا علّة غائيّة .
فهذا وجه من تحقيق هذا الكلام ، وهاهنا وجه آخر أدقّ من هذا ، فغاية الوجود هي لقاء اللّه عز وجل ، لذلك بني العالم ، ولأجله نظمّ النظام ، وإلى ذلك ينساق الوجود . و
أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ 53 / 42 ] .
تتمّة [ غاية سير الأشقياء والسعداء ]
واعلم إنّ هاهنا غايات وهمية مجعولة للأوهام زيّنت لطوائف من الناس فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ولا دراية ، وهم كلّ الناس ، إلّا عباد اللّه المخلصين .