فمن جوّز صيرورة اللاشيء - كالمادّة الأولى - شيئا - أي صورة بناء ، على ما هو التحقيق من الاتّحاد بين المادّة والصورة المقوّمة إيّاها ، اتّحادا في الوجود ، وإن كانا مختلفين في المعنى والمفهوم كالاتّحاد بين الجنس والفصل ، لأنّ الجنس والفصل هما عين المادّة والصورة بالذات وغيرهما بالاعتبار - وكذا جوّز صيرورة الجماد كالنطفة حيوانا ، والحيوان جوهرا عاقلا بالقوّة . كيف أنكر صيرورة العاقل بالقوّة عاقلا بالفعل ؟ أو صيرورة العقل المنفعل عقلا فعّالا ؟ ! فإنّ المباينة هناك ليست بأقلّ من المباينة هاهنا .
فإن قال قائل إنّ المادّة ما صارت صورة قبلتها ، فإنّ الإنسان من مبدأ تكوّنه في الرحم عند الشهر الرابع من حين استقرار النطفة فيه إلى آخر كماله في العلم والولاية شيء واحد بعينه في الوجود والجوهريّة بالذات ، وقد طرأ عليه صفات وأعراض حتّى لم يكن فرق بين أجهل الناس كأبي جهل وأعقلهم كمحمّد صلّى اللّه عليه وآله فقد كابر مقتضى عقله وفطرته .
بل الإنسان أبدا في التحوّل إلى النشآت والأطوار ، إلى أن ينقلب إلى الدار الآخرة . وهذا عامّ لكلّ أحد ، سواء أتمّ حركته التحوّليّة في القوس الرجوعيّة - حتى إذا وصل منتهاه ، وبلغ إلى مناه ، وفاز بلقاء مولاه - أو قصّر في ذلك فضلّ عن الطريق ، وهوى في هاوية الهوى أو نزل إلى أفق البهائم ، وترك الترقي إلى أفق الملأ الأعلى وخان في الأمانة التي أودعها اللّه فيه ، وأنعم بها عليه .
بل هو أسوء حالا من البهيمة ، لأنّها تتخلص بالموت ، وأمّا هو فلا بدّ له من الرجوع . لأن عنده أمانة سترجع إلى مودعها ، وكانت تلك الأمانة في مبدأ الفطرة قبل نزولها إلى القالب مشرقة زاهرة كالشمس ، فإذا هبطت إليه وغربت فيه مدة ستطلع من مغربها وستعود إلى مبدئها وبارئها - إمّا مظلمة منكسفة ، وإمّا مشرقة زاهرة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 305
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٠٥