وملاك الأمر كلّه معرفة اللّه ، ومعرفة النفس ، وحشرها إليه تعالى ، والتصديق بلقاء اللّه ، ولذلك وصف الخاشعين بقوله عزّ اسمه :
قوله جل اسمه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ]
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 )
أي يتوقّعون لقاء اللّه ونيل ما عنده ، ويتيقّنون إنّهم يحشرون إلى اللّه . فالظنّ هاهنا بمعنى العلم ، كما في قوله تعالى :
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
[ 69 / 20 ] ويؤيّده إنّ في مصحف ابن مسعود « يعلمون » وإنّ الظنّ هو الإعتقاد الراجح الذي يقارنه تجويز النقيض ، وذلك يقتضي انّ صاحبه غير جازم بيوم القيامة ، وذلك كفر فكيف يمدح اللّه لهم عليه .
وعلاقة التجوّز إنّه شابه العلم في الرجحان ، ولتضمين معنى التوقّع .
ومن حمل اللفظ على ظاهره وجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت ، فإمّا أن يقول : المراد « الذين يظنّون الموت في كلّ لحظة فإنّهم لا يفارق قلوبهم الخشوع فهم يتبادرون إلى التوبة ، لأنّ خوف الموت من دواعي التوبة » . وإمّا أن يفسّر « ملاقاة الرب » بملاقاة ثوابه ، وذلك مظنون غير معلوم ، أو يقول : إنّ المعنى :
« يظنّون إنّهم ملاقوا بذنوبهم » فإنّ الإنسان الخاشع لا وقع لطاعاته عنده ، فيغلب على ظنّه إنّه إنّهم يلقى اللّه بذنوبه ، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة والإنابة والصبر والصلاة .
وهاهنا وجه آخر ، وهو إنّ العلم بكيفية المعاد وبأنّ أفراد الإنسان وغيرهم ملاقون ربّهم يرجعون إليه بالحقيقة علم شريف غامض لا يحصل لأحد على وجه اليقين إلا للكمّل من العرفاء ، وليس لعامّة أهل الايمان إلّا مرتبة الظنّ به على