فقال الرجل : الصبر عن اللّه . فصرخ الشبلي صرخة كاد أن يتلف روحه .
قال صاحب العوارف « 1 » : « وعندي في معنى الصبر عن اللّه وجه ، ولكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجه . وذلك إنّ الصبر عن اللّه يكون في أخصّ مقامات القرب والمشاهدة ، يرجع العبد عن مولاه استحياء وإجلالا ، وينطبق بصيرته خجلا وذوبانا ، ويتغيّب في مفاوز استكانته وتخفّيه لاحساسه بعظيم أمر التجلي .
وهذا من أشدّ الصبر ، لأنّه يودّ استدامة هذا الحال تأدية لحقّ الجلال ، والروح يودّ استدامة هذا الحال باستلماع نور الجمال « 2 » ، وكما إنّ النفس منازعة في عموم حال الصبر ، فالروح في هذا الصبر منازعة ، فاشتدّ الصبر عن اللّه [ تعالى ] لذلك .
وقال أبو الحسن بن سالم : « هم ثلاثة : متصبّر ، وصابر ، وصبّار . فالمتصبّر من صبر في اللّه . فمرّة يصبر ، ومرّة يجزع . والصابر من صبر في اللّه للّه ولا يجزع ، ولكن يتوقّع منه الشكوى وقد يمكن منه الجزع . وأمّا الصبّار فذلك الذي صبره في اللّه ، وللّه ، وباللّه . فهذا ( لو وقع جميع البلايا لا يعجز ولا يتغيّر من جهة الوجوب والحقيقة ) « 3 » - لا من جهة الرسم والخلقة » وإشارته في هذا إلى ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة .
فصل قوله [ تعالى ] : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
الفناء في اللّه بالصبر عن النفس وهواها وجاهها ومآلها . والبقاء باللّه بالصلاة والمناجاة معه صعب شديد إلّا مع خشوع القلب وانكساره وافتقاره وعبوديته
هامش
( 1 ) عوارف المعارف : الباب الستون ، قولهم في الصبر : 234 .
( 2 ) المصدر : والروح تود أن تكتحل بصيرتها باستلماع نور الجمال .
( 3 ) المصدر : فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغيّر من جهة الوجود والحقيقة .