تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
لتصحيح نسبة الإمكان ، وهو قصارى مجهود العابدين ، فإنّ كلّ سالك طبيعي أو إرادي لو نظرت إليه لوجدت انّ بناء انتقاله من حالة إلى حالة أخرى ، وانقلابه من صورة إلى صورة أشرف وأقوى هو ضعف نشأته الأولى وزوال رسوخه ، وشدة فعليّته وحصول حالة إمكانية استعداديّة شبيهة بالعدم . فالعناصر مثلا ما لم تنكسر منها شدّة كيفيّاتها وتأكّد صورها النوعيّة ، حتّى صار كلّ منها كأنّه متوسّطة بين أن تكون ، وبين أن لا تكون ، فلم تقبل صورة أخرى أشرف من صورها - وهي صورة الجماديّة - . ثمّ من الجماديّات ما هو أقوى صورة ، فأبعد من أن ينقلب نباتا ، كاليواقيت والفلزّات وما ينقلب منها نباتا فهو كالبذور وغيرها التي يستولى عليها الوهن والقصور في صورتها الجماديّة ، ويكاد أن يضمحلّ ويستحيل في مكانها عائدة إلى الفساد لولا عناية اللّه لها بالإمداد ، ونقلها إلى صورة النبات من حدود الجماد . وكذا الحال في النطف الصائرة حيوانا وإنسانا ، كلّ ذلك لأجل إمكاناتها التي هي كصورة الخشوع والخضوع لما فوقها ولما يقهرها ويسخرها ، فحركاتها إلى اللّه ، وتوجّهها نحوه تعالى بالاضطرار والافتقار إلى الواحد القهار . فكذلك الحكم في أفراد الإنسان ، فكلّ من خشع قلبه وخضع للّه بالمحبة والانقياد ، وجاوز عن حدّ نفسه وهواه طلبا لمولاه ، انفتح عليه أبواب الرحمة ، وفاض عليه أنوار الإلهية ، ووصل إليه خلع الكرامة ، وكلّ من وقف في مقام نفسه وانانيّته وطلب هواه ، فهو مطرود عن باب اللّه ، محجوب عن لقائه بيد سدنة النيران وحجاب القهرمان . فمن خشع قلبه للّه سهل عليه ترك هوى النفس والصبر عن الدنيا وما فيها بالصوم عنها . كما قيل : « صم عن الدنيا واجعل فطرك الموت » وبالقدوم على اللّه بالصلاة التي روحها عرفان الحق والتعبّد له ظاهرا وباطنا .