تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وهو التهيئة لها ، وتنقية أرض القلب عن حشايش التعلّقات ، وبثّ بذر المعرفة والايمان فيها ، انتظارا لرحمة اللّه ، وتعرّضا لمهابّ رياح الجود والكرم في الأوقات الشريفة ومظانّ الإجابة واستدرارا لأمطار المكاشفات ، ولطائف مياه المعارف من خزائن الملكوت عند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة ، ويوم الجمعة ، وأيّام رمضان . كما ينتظر الزارع الذي يصلح الأرض وينقّيها من الحشيش ، ويبثّ البذر فيها . إذ كلّ ذلك لا ينفعه إلّا بمطر ، ولا يدري متى يقدر اللّه أسباب المطر ، إلّا انّه يثق بفضل اللّه وتحريكه أسباب السماوات للرزق بأمره على من يشاء ، إذ قال :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ 51 / 22 ] . * * * فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل ، وهو آخر درجات الصبر ، وإنّ الصبر عن العلائق كلّها مقدّم على الصبر عن الخواطر ، وأشدّ العلائق على النفس علقة [ رياسة ] الخلق وحبّ الجاه فإنّ لذّة الرياسة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذّات في الدنيا على نفوس العقلاء . قال الغزالي « 1 » : « وكيف لا يكون أعلى اللذات ومطلوبها صفة من صفات اللّه [ تعالى وهي الربوبيّة ] والربوبيّة مطلوبة ومحبوبة بالطبع للقلب ، لما فيه من المناسبة للأمور الربوبيّة ، وعنه العبارة بقوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ 17 / 85 ] وليس القلب مذموما على حبّه ذلك ، وإنّما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم الأمر ، إذ حسده على كونه من عالم الأمر ، فأضلّه وأغواه . وكيف يكون مذموما عليه ، وهو يطلب سعادة الآخرة ، وليس يطلب إلّا بقاء
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين : 1 / 78 .