فصل [ في تتّمة القول في الصبر وأقسامه ]
اعلم إنّ الصبر دواء مرّ ، وشربة كريهة ، يجلب إليك كلّ منفعة ، ويدفع عنك كلّ مضرّة . فإذا كان هذا الدواء بهذه الصفة ، فالإنسان العاقل يكره النفس على شربه وتجرّعه ، ويصبر على مرارته وحدّته ، وهو يقول : « مرارة ساعة ، وراحة سنة » .
وقيل « 1 » : « لكلّ شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل الصبر » .
والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس ، لأنّه يحتاج إلى الصبر عن كل منهيّ ومكروه ومذموم ظاهرا وباطنا . ولا يتمّ ذلك إلّا بالعلم .
وقيل « 2 » : « أشدّ مراتب الصبر وأقسامه كفّ الباطن عن حديث النفس » وإنّما يشتدّ ذلك على من يفرغ له ، بأن يقمع الشهوات الظاهرة ، وآثر العزلة ، وجلس للمراقبة والذكر والفكر . فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب . وهذا لا علاج له إلّا قطع العلائق بالكليّة بالفرار عن الأهل والأولاد والرفقاء والأصدقاء .
ولا يكفي ذلك أيضا ما لم يجعل الهموم همّا واحدا - وهو اللّه - ثمّ إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم يكن له مجال في الفكر وسير الباطن في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع اللّه ، وسائر أبواب معرفة اللّه ، حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك حادثة الشيطان ووسواسه .
وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه الأوراد « 3 » المتواصلة والصلوات والأذكار
هامش
( 1 ) راجع عوارف المعارف : الباب الستون ، قولهم في الصبر : 234 .
( 2 ) إحياء علوم الدين : 4 / 76 . بتصرفات من المؤلف .
( 3 ) الإحياء : فلا ينجيه إلا الأوراد .