وأمّا الكاتبين فلا ثباتهما الحسنات والسيّئات .
وإنّما يكتبان في صحائف مطويّه في سرّ القلب ، ومطويّة أيضا عن سرّ القلب ، حتّى لا يطلع عليه في هذا العالم لانغماره في البدن انغمار صحيفة مكتوبة في تراب الأرض واستتارها تحته عن الأبصار ما لم يبرز عنه ، وكذلك صحيفة القلب ينشر يوم القيامة من غبار البدن على البصائر يوم كشف السرائر .
فالملكان وكتبهما وخطّهما وصحائفها وجمله ما يتعلّق بها من عالم الغيب والملكوت - لا من عالم الشهادة - وشيء من الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ، ثمّ تنشر الصحائف عن القلب مرّتين : مرّة في القيامة الصغرى ، ومرة في القيامة الكبرى .
وأعني بالقيامة الصغرى حال الموت ، إذ
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « من مات فقد قامت قيامته » .
وفي هذه القيامة يكون العبد وحده . وعندها يقال :
لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ 6 / 94 ] وفيها يقال :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ 17 / 14 ] .
أمّا في القيامة الكبرى - الجامعة لكافّة الخلق - لا يكون وحده ، بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق ورؤوس من الأشهاد . وفيها يساق المتّقون إلى الجنّة ، والمجرمون إلى النار زمرا - لا آحادا - وأهوالها أعظم . وسيأتيك بيانها إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) قال العراقي : « أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت . . . » ( ذيل احياء العلوم :
4 / 64 ) .