والتكاثر . قال تعالى :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[ 57 / 20 ] .
وليس له في الابتداء قوّة الصبر البتّة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما ، وليس في الصبيّ إلّا جند الهوى كما في البهائم ، ولكن اللّه بفضله وسعة جوده كرّم ابن آدم وفضّله على كثير ممّن خلقّه ، ورفع درجته عن درجة البهائم .
فوكّل عند تمام شخصه لمقارنة البلوغ ملكين : أحدهما يهديه ، والآخر يقوّيه فتميّز بمعونة الملكين عن البهائم . واختصّ بصفتين : إحداهما معرفة اللّه [ ومعرفة رسوله ] ومعرفة اليوم الآخر ومعرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب والنجاة عن العذاب في الدار الآخرة - وكلّ ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف - والبهيمة لا معرفة لها ولا هداية لها إلى معرفة العواقب ، بل إلى مقتضى شهوتها في الحال فقط ، فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ ، وأمّا الدواء النافع مع كونه كريها مضرّا في الحال ، فلا تعرفه ولا تطلبه ، فصار الإنسان يعرف بنور الهداية إنّ اتّباع الشهوات لها معقّبات مكروهة في العاقبة .
ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ ، وحبس الشهوة عنها . فكم من مضرّ يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا ولكن لا قدرة له على دفعه ، فافتقر إلى قدرة وقوّة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوّة حتى يقطع عداوتها عن نفسه ، فوكّل اللّه به ملكا آخر 96 يسدّده ويقوّيه بجنود لم تروها ، وأمر هذا الجند بقتال جنود الشهوة ، فتارة يضعف هذا الجند ، وتارة يقوى ذلك بحسب إمداد اللّه عبده . كما إنّ نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا يحصر .
فلنسمّ هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم باعثا دينيا . ولنسمّ مطالبة