فصل
واختلفوا في أنّ المراد من
بِالْبِرِّ
في هذه الآية ما ذا ؟
فعن ابن عباس : إنّها نزلت في أحبار المدينة ، كانوا يأمرون الناس سرّا - من تصحبوه - باتّباع محمّد صلّى اللّه عليه وآله ولا يتبّعون .
وعن السدي : كانوا يأمرون بطاعة اللّه وينهونهم عن معصيته ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعاصي .
وعن ابن جريح : إنّهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة ، وهم يتركونهما .
وعن الزجّاج : كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة ، وكانوا يشحون بها .
لأنّ اللّه تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت .
وعن أبي مسلم : إنّ جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يخبرون مشركي العرب إنّ رسولا سيظهر منكم ويدعوكم إلى الحقّ ، وكانوا يرغّبونهم في اتّباعه ، فلمّا بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله حسدوه وكفروا به .
وفيه وجوه أخرى مذكورة في التفسير الكبير وغيره « 1 » ، واقتصرنا عنها بما هو أولى وأقرب .
وفي قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
توبيخ عظيم أي : كأنّكم في عدم تفطّنكم لقبح ما أقدمتم عليه - وهو غير خاف على أوائل العقول وبداياتها - مسلوبو العقول .
وإلّا فلا وجه لصدور مثله عمّن يعقل ويميّز بين الحسن والقبح . ونحوه قوله تعالى
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ 21 / 67 ] .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي : 1 / 494 . مجمع البيان : 1 / 98 . الدر المنثور : 1 / 64 .