أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ 61 / 3 ] وما
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله إنّه قال « 1 » : « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه . وننهى عن الشر ونأتيه » .
وأمّا المعقول : فهو إنّه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها على كشف وجهها في أثناء الزنا . ومعلوم إنّ ذلك مستنكر عقلا . وإنّ هداية الغير فرع الاهتداء ، والإقامة بعد الاستقامة . ولهذا قيل : « إنّ الإصلاح زكاة نصاب الصلاح » .
والجواب : إنّ المكلف كما هو مأمور بفعل المعروف ، مأمور بالأمر به للغير .
وكما هو مأمور بترك المعصية ، مأمور بمنع الغير عن فعلها مطلقا . ثمّ المنع عن الجمع بين فعل المعصية ومنع الغير عنها أو أمرهم بالطاعة يتصوّر على وجهين ، لكونه ذا جزئين . وفساد المركب من الجزئين إمّا أن يكون لفساد أحد جزئيه بخصوصه ، أو لفساد انضمام أحدهما بالآخر .
فهيهنا ثلاثة احتمالات ، لكن أحدها - وهو كون المنع متعلّقا بفعل الطاعة - ظاهر البطلان بالاتّفاق . فبقي احتمالان آخران : أحدهما أن يكون المنع متوجها إلى فعل المعصية ، كنسيان النفس فيما نحن فيه . والثاني أن يكون متوجّها إلى الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر مع فعل المعصية . فيكون المنع هاهنا عن ترغيب الناس بالبرّ مع نسيان النفس والحقّ في معنى الآية عندنا هو الأوّل - لا الثاني - فسقط احتجاج الخصم بالآيتين وبما تضمنّه حديث الإسراء .
وأمّا احتجاجه العقلي بما ذكره من المثال ، فلا نسلّم انّ مجرّد إنكاره عليها على كشف وجهها مستقبح عقلا . بل الاستقباح والاستنكار على مجموع الزنا والإنكار عند التحليل يرجع إلى فعل الزنا - لا إلى ذلك الإنكار .
هامش
( 1 ) راجع الدر المنثور : 1 / 64 .