وشهوته بوجه شرعي في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله » انتهى كلامه .
واعلم إنّ علماء العلوم الحقيقيّة آمنين سالمين من هذه الأمراض والفتن ، فإنّ علومهم وحالاتهم مختفية عن العوام والحكّام ، وإنّما يعرض هذه الأمراض والفتن - أكثر ما يعرض - للوعّاظ والفقهاء الذي اقتصروا على علم الفتاوى والحكومات والمعاملات الدنيويّة الجارية بين الخلق لمصالح المعايش ، وخصّصوا علم الفقه بها وسمّوه علم المذهب وعلم الدين ، فربما ضيّعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقّدوا الجوارح ، ولم يحرسوا اللسان عن الغيبة ، والبطن عن الحرام ، والرجل عن المشيء إلى السلطان ، وكذا سائر الجوارح . ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وسائر الملكات المهلكات .
قال الغزالي في كتاب الإحياء مشيرا إليهم : « هؤلاء هم المغرورون من وجهين : أحدهما من حيث العمل والآخر من حيث العلم .
أمّا من حيث العمل : فمثلهم كمثل المريض ، إذا تعلّم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه - لا - بل مثلهم كمثل من به علّة البواسير أو البرسام ، وهو مشرف على الهلاك محتاج إلى تعلّم الدواء واستعماله ، واشتغل بتعلّم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا ، مع علمه بأنّه رجل لا يحيض ولا يستحيض ، ولكن يقول :
ربما يقع علّة الاستحاضة بامرأة تسألني عنها . فذلك غاية الغرور .
فكذلك المتفقّة المسكين قد تسلّط عليه حبّ الدنيا واتّباع الشهوات ، والحسد والكبر والرياء - وسائر المهلكات الباطنة ، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي ، ويلقى اللّه وهو عليه غضبان ، فترك ذلك كلّه واشتغل بعلم السلم والإجارة ، والظهار ، واللعان ، والجراحات ، والديات ، والدعاوي والبيّنات ، وبكتاب الحيض .
ولا يحتاج إلى شيء من ذلك في عمره لنفسه ، وإذا احتاج غيره كان للمفتين كثرة .
فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه الجاه والرياسة . وقد دعاه الشيطان ولا يشعر ،
تفسير القرآن الكريم — صفحة 240
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٤٠