تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
« لا تجمعوا بين لبس الحقّ بالباطل وكتمان الحق » كقولك : « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » ويؤيّده إنّه في قراءة ابن مسعود : « وتكتمون » بمعني « كاتمين » ، فإنّه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان والحقّ ، ولا شكّ في أنّ كلّا منهما ممّا يمكن وقوعه وحدانا ، وإنّ الجمع بينهما أقبح ، وهم يفعلونهما جميعا . وذلك لأنّ النصوص الواردة في التورية والإنجيل في شأن محمّد صلّى اللّه عليه وآله بعضها بحيث يمكن إخفاء دلالتها - إذ فيها نوع خفاء ، فكانوا يكتمونها - وبعضها في الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على العقول السليمة وجه دلالتها ، إذا لم يشوّشها شبهة مضلّ وتلبيس ملبّس مجادل ، فكانوا يشوّشون وجه الدلالة على المتأمّلين الناظرين بسبب إبداء الشبهات والمجادلات . فهذا هو المراد بقوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
وهو المذكور أيضا في قوله :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
[ 40 / 5 ] . وقوله :
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
إشارة إلى القسم الأوّل . وقوله :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وقع حالا . أي : عالمين بأنّكم لابسون ، كاتمون . فإنّه أقبح ، إذ الجاهل ربما يتصوّر له عذر . والتقييد به لا يدلّ على جوازهما حال عدم العلم . بل على أنّ الإقدام على الفعل الضارّ مع العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارّا . فلمّا كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد ، كان إقدامهم عليه [ أقبح ] . وبالجملة - الخطاب متوجّه إلى رؤساء أهل الكتاب ، وهم يجحدون ما يعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل . وقيل معناه : « وأنتم تعلمون البعث والجزاء » . وقيل معناه : « وأنتم تعلمون ما أنزل وسينزل ممّن كذب على اللّه تعالى » . وقيل معناه : « وأنتم تعلمون ما نزل