ومنها « 1 » أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عمّا يفسدها ، ويشوّش القلب ، ويهيّج الوسواس ، ويثير الشرّ . فإنّ أصل الدين التوقّي من الشر . ولذلك قيل :
عرفت الشرّ لا للشر لكن لتوقّيه * ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
ولأنّ الأعمال البدنيّة لا تتمّ إلّا بالقصود والنيّات ، وإنّما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوّشها ، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تعريفه ، وكل ذلك مما يغلب مسّ الحاجة إليه « 2 » ، وتعمّ البلوى به في طريق سلوك الآخرة .
وأمّا علماء الدنيا فإنّهم يتّبعون غرائب التفريع في الأقضية والحكومات ، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع ، وإن وقع ذلك فإنّما يقع لغيرهم - لا لهم - فإذا وقع كان في العالمين به كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرّر عليهم آناء الليل و [ أطراف ] النهار من خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم .
وما أبعد عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بمهمّ غيره النادر إيثارا للقبول والقرب من الخلق على القرب من اللّه ، وحرصا على أن يسميّه البطّالون من أبناء الدنيا فاضلا ، عالما بالدقائق . وجزائه من اللّه أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق ، بل يتكدّر عليه صفوه بنوائب الزمان ، ثمّ يرد القيامة مفلسا متحسّرا على ما يشاهده من ربح العالمين ، ونور المقرّبين . وهذا هو الخسران المبين .
فهذه عدّة علامات جليّة يمكن تعريفها لكلّ من أراد ، ذكرها صاحب كتاب الإحياء . ولهم علامات أخرى باطنيّة لا يعرفها إلا ذو بصيرة كشفيّة .
* * * ومن علاماتهم أيضا ما ذكر صاحب كتاب إخوان الصفا بقوله : « 3 »
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 1 / 77 .
( 2 ) الإحياء : مسيس الحاجة .
( 3 ) إخوان الصفا : الرسالة السابعة من النفسانيّات العقليات 3 / 311 . بفروق يسيرة لم نتعرض لها .