فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ، ولا إلى عيسى ، لأنّهم لم يكونوا من بني إخوتهم ، ولا مثل موسى في كونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين . فتعيّن محمد صلّى اللّه عليه وآله .
ومنها ما جاء في الفصل العشرين من هذا السفر : « إنّ الربّ تعالى جاء في طور سيناء وطلع ( أشرق - ن ) لنا من ساعير ، وظهر من جبال فاران ، وصفّ عن يمينه عنوان القديسين ، فمنحهم العزّ وحبّبهم إلى الشعوب ، ودعا لجميع قديسيه بالبركة » .
يريد الإخبار عن إنزال التوراة على موسى عليه السّلام بطور سيناء وإنزال الإنجيل على عيسى عليه السّلام بساعير ، فإنّه كان يسكن من سيعير بقرية تسمّى « ناصرة » ، وإنزال القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وآله بمكّة ، فإنّ « فاران » في طريق مكّة قبل العدن بميلين ونصف وهو كان المنزل وقد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكّة .
قال اليهود : إنّ النار لمّا ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا ، وكذا من جبل فاران أيضا ، فانتشرت 70 في هذه المواضع .
وما ذكروه باطل ، لأنّ اللّه لو خلق نارا في موضع فإنّه لا يقال : « جاء اللّه من ذلك الموضع » إلّا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع ، أو ما شابه ذلك ، وعندكم إنّه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلّا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال : « جاء اللّه من طور سيناء فقط » فأمّا أن يقال : « ظهر من ساعير ومن جبل فاران » فلا يجوز وروده ، كما لا يقال : « جاء اللّه من الغمام » إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران - كما يتّفق في الربيع .
وتصديق ذلك ما في كتاب حبقوق ، وهو : جاء اللّه من طور سيناء ، والقدس من جبال فاران ، لقد انكشف السماء 71 من بهاء محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وامتلأت الأرض من حمده ، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزّة ، تسير المنايا أمامه ، ويصحب
تفسير القرآن الكريم — صفحة 195
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٩٥